تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من هؤلاء الأصناف ، أم هم شركاء في الصدقة لا يجوز أن يخص بها صنف دون صنف ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يجوز للامام أن يصرفها في صنف واحد أو أكثر من صنف واحد إذا رأى ذلك بحسب الحاجة . وقال الشافعي : لا يجوز ذلك بل يقسم على الأصناف الثمانية كما سمى اللّه تعالى
وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى ، فان اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة ، إذ كان المقصود بها سد الخلة ، فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء انما ورد لتمييز الجنس - أعني أهل الصدقات - لا تشريكهم في الصدقة . فالأول أظهر من جهة اللفظ ، وهذا أظهر من جهة المعنى .
ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصدائي أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعطيه من الصدقة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه لم يرض أن يحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء ، فان كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك » اه ثم ذكر المسألة الثانية وهي الاختلاف في المؤلفة قلوبهم وقد تقدمت
وأقول إن الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى قد أطال في مسألة وجوب تعميم ما يوجد من الأصناف في كتابه الام في فصول كثيرة ، وقد بين النووي المذهب فيها والقائلين بالتعميم والمخالفين فيه من السلف وعلماء الأمصار في شرح المهذب . قال :
« قال الشافعي والأصحاب رحمهم اللّه : ان كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة الباقين إن وجدوا والا فالموجود منهم ، ولا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده ، فان تركه ضمن نصيبه . وهذا لا خلاف فيه الا ما سيأتي ان شاء اللّه تعالى في المؤلفة قلوبهم ، وبمذهبنا في استيعاب الأصناف قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود
وقال الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد : له صرفها إلى صنف واحد ، قال ابن المنذر وغيره وروي هذا عن حذيفة وابن عباس ، قال أبو حنيفة : وله صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف ، قال مالك ويصرفها إلى أمسهم حاجة ، وقال إبراهيم النخعي ان كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف والا وجب استيعاب الأصناف ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 510
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٥١٠