تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
الوجود الكفر المانع من القبول ، ومن أطاع اللّه ورسوله فيما يسهل عليه وعصاهما فيما يشق عليه فلا يعد مذعنا للامر والنهي لأنه حكم اللّه ، ومن لم يكن مذعنا لا يكون مؤمنا ،
( فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ )
وقد بايع المؤمنون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الطاعة في المنشط والمكره ولما كان أولئك المنافقون من اولي الطول والسعة في الدنيا كما سيأتي في قوله
( 9 : 86 اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ )
وكان ترف الغنى وطغيانه أقوى أسباب إعراضهم عن آيات اللّه والتأمل في محاسن الاسلام - بين اللّه تعالى للمؤمنين سوء عاقبتهم فيه فقال * * *
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
الاعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به فتعجب من حسنه كما قال الزمخشري ، والخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل من سمع القول أو بلغه ، والكلام مرتب على ما قبله ، كأنه يقول إذا كان هذا شأنهم في مظنة ما ينتفعون به من أموالهم ، لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا ، فلا تعجبك أيها الرسول أو أيها السامع أموالهم ولا أولادهم التي هي في نفسها من أكبر النعم وأجلها ، ولا تظن انهم وقد حرموا من ثوابها في الآخرة قد صفا لهم نعيمها في الدنيا ، وعلل النهي بقوله
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بما يعرض لهم فيها من المنغصات والحسرات ، أما الأموال فإنهم يتعبون في جمعها ، ويحرصون على حفظها ، ويشق عليهم ما ينفقونه منها من زكاة وإعانة على قتال وإنفاق على قريب من المؤمنين ، وأشق منه اعتقادهم انهم يتركونها بعدهم لمصالح المسلمين ، لان ورثتهم منهم في الغالب حتى زعيمهم الأكبر عبد اللّه بن أبي ( لعنه اللّه ) كما سيأتي في الآيات التي نزلت في خبر موته على كفره وأعيدت هذه الآية فيها . واما الأولاد فلأنهم يرونهم قد نشؤا في الاسلام واطمأنت به قلوبهم ، وانهم يجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ، وكل هذه حسرات في قلوبهم . ولقد كان ثعلبة الذي عاهد اللّه لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين ، ثم نقض عهده وأخلف اللّه ما وعده بعد أن أغناه - أشدهم حسرة بامتناع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفائه عن قبول زكاته