تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
تكميل أنفسهم بما شرعهما اللّه لأجله ، واحتسابا لاجرهما عنده ، أما الصلاة فلا يأتونها إلا وهم كسالى أي في حال الكسل والتثاقل منها ، فلا تنشط لها أبدانهم ، ولا تنشرح لها صدورهم ، زاد في سورة النساء
( يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا )
وقد أمر اللّه المؤمنين بإقامة الصلاة « 1 » لا بمجرد الاتيان بصورتها ، ووصفهم بالخشوع فيها ، وهو ينافي الكسل عند القيام إليها ، فعلى كل مسلم أن يحاسب نفسه ليعلم هل صلاته صلاة المؤمنين ، أم صلاة المنافقين ؟ وأما الانفاق في مصالح الجهاد وغيرها فلا يؤتونه إلا وهم كارهون له ، غير طيبة أنفسهم به ، لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم مضروبة عليهم ، تقوم بها مرافق المؤمنين وهم يعلمون من أنفسهم انهم ليسوا منهم ، فلا يرون لهم بها نفعا في الدنيا ، ولا يؤمنون بنفعها لهم في الآخرة . وبما قررناه يندفع ايراد بعضهم أن الكفر وحده كاف في عدم قبول نفقاتهم فأي حاجة إلى وصفهم بالكسل عند إتيان الصلاة وكره أداء الزكاة وغيرها من نفقات البر ؟ وتمحل الجواب عنه على مذهب المعتزلة أو الأشعرية ، فان وصفهما بما ذكر تقرير لكفرهم ودفع للشبهة التي ترد عليه بالصلاة والزكاة كما بيناه قال الزمخشري ( فان قلت ) الكراهية خلاف الطواعية وقد جعلهم اللّه طائعين في قوله ( طوعا ) ثم وصفهم بأنهم
( لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ )
( قلت ) المراد بطوعهم انهم يبذلونه من غير إلزام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار ، لا عن رغبة واختيار اه على أنه فسر الكره في الآية الأولى بالاكراه والراجح عندي ما قدمته من أن المراد بطوعهم ما كان بقصد التقية لاخفاء كفرهم ، وهو يقتضي كرهه في قلوبهم وعدم إخلاصهم فيه ، وهو ما أثبته لهم في الآية الثانية بصيغة الحصر ، وحاصله أن المراد به طواعية المصلحة أو الطبع ، لا طاعة الشرع ، وقد يقال إن الترديد بين الطوع والكره في مثل هذا التعبير لا يقتضي إثبات وقوع كل منهما ، وانما المراد منه انه مهما يكن الواقع فهي غير مقبولة ،
هامش
( 1 ) اقامتها أداؤها مقومة كاملة الأركان والآداب البدنية والقلبية . راجع تفسير( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) *في أول سورة البقرة ص 57 ، 128 ج 1 تفسير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 483 | الشيخ محمد رشيد رضا