تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
إذ ليس لهم ما للمؤمنين من التوكل على ذي القوة التي لا تعلوها قوة - وشر منه اتكال الخرافين على الأوهام ، وتعلق آمالهم بالأماني والأحلام ، حتى إذا ما انكشفت أوهامهم ، وكذبت أحلامهم ، وخابت آمالهم ، نكسوا رؤوسهم ، ونكصوا على أعقابهم ، واستكانوا لأعدائهم ، وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين . ووعد اللّه أصدق من دعواهم الايمان ، وانما وعد بالنصر أولياءه لا أولياء الشيطان * * *
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
التربص التمهل في انتظار ما يرجى أو يتمنى وقوعه ، ومضمون هذا بدل مما قبله أو بيان له ، والحسنيان مثنى الحسنى وهي اسم التفضيل للمؤنث ، والاستفهام للتقرير والتحقيق ، والجملة تفيد الحصر ، أي قل لهم أيضا هل تتربصون بنا أيها الجاهلون الا احدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما حسنى العواقب وفضلاها ، وهما النصرة والشهادة ، النصرة المضمونة للجماعة ، والشهادة المكتوبة لبعض الافراد ؟ أي لا شيء ينتظر لنا غير هاتين العاقبتين مما كتب لنا ربنا وأنتم تجهلون ما تتربصون بنا
وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ
في مقابلة ذلك إحدى السوءيين :
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا
الأولى أن يهلككم بقارعة سماوية لا كسب لنا فيها ، كما أهلك من قبلكم من الكافرين الذين كذبوا الرسل ، والثانية أن يأذن لنا بقتلكم ، ان اغراكم الشيطان باظهار كفركم ، بهذا الاستدراج في الاستمرار على اجرامكم ، كما قال في سياق غزوة الأحزاب
( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ )
الآيات - وحكم الشرع انهم لا يقتلون ما داموا يظهرون الاسلام ، بإقامة الشعائر وأداء الأركان ، ولا سيما الصلاة والزكاة . ولم تذكر هاتان العاقبتان لهم بصيغة الحصر كعاقبتي المؤمنين لجواز ان يتوبوا عن نفاقهم ويصح إيمانهم ، وقد تاب بعضهم ، واعترفوا بما كانوا عليه بعد ظهور أمرهم ، كالذين أخبرهم النبي بما اءتمروا به من اغتياله صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن المعقول أن يكون أكثر الباقين قد تابوا بعد أن أنجز اللّه لرسوله جميع ما وعده به ، ووقع ما كانوا يحذرونه من تنزيل سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، ومنها فضيحته تعالى لزعيمهم الذي مات على كفره . ولو ذكر ذلك في التنزيل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 480 | الشيخ محمد رشيد رضا