تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
* * *
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي
هذا بيان لأول استئذان معين وقع من أولئك المنافقين في التخلف واتفقت الروايات على أن جد بن قيس من شيوخهم قال هذا للنبي ( ص ) في أول عهد الدعوة للغزوة وأثناء التجهيز للسفر ، وروي أن غيره منهم قال لما دعاهم إلى تبوك : انه ليفتنكم بالنساء . أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس ( رض ) قال : لما أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس « ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ » قال إني أخشى ان رأيت نساء بني الأصفر ان افتتن ، فإذن لي ولا تفتني . وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه ( رض ) قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لجد بن قيس « يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ » قال جد : أتأذن لي يا رسول اللّه فاني رجل أحب النساء ، واني أخشى ان أنا رأيت نساء بني الأصفر ان افتتن . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معرض عنه « قد أذنت لك » فأنزل اللّه الآية . وقد عبر عن قوله بالفعل المضارع لاستحضار تلك الحال لغرابتها ، فان مثله في نفاقه لا يخشى على نفسه إثم الافتتان بالنساء إذ لا يجد من دينه مانعا من التمتع بهن وهو يحبهن ، بل شأن ذلك أن يكون مرغبا له في هذه الغزوة . وقد رد اللّه شبهته وشبهة من وافقه عليها ورددوا معناها بقوله
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
بدأ الرد على قائلى هذا القول بأداة الافتتاح ( ألا ) المفيدة للتنبيه والتأمل فيما بعدها ولتحقيق مضمونه ان كان خبرا لتوجيه السمع والقلب له ، وعبر عن افتتانهم بالسقوط في الفتنة للمبالغة ، وقدم الظرف « في الفتنة » على عامله « سقطوا » للدلالة على الحصر ، يقول ألا فليعلموا انهم سقطوا وتردوا بهذا القول في هاوية الفتنة بأوسع معناها ، لا في شيء آخر من شبهاتها أو مشابهاتها ، من حيث يزعمون اتقاء التعرض لشبهة نوع من أنواعها ، وهو الاثم بالنظر إلى جمال نساء الروم واشتغال القلب بجمالهن ، فتردوا في شر مما اعتدروا به .
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
هذا وعيد لهم على الفتنة التي تردوا فيها وضع فيه المظهر موضع ضميرهم للنص على أن عقابهم بإحاطة جهنم بهم عقاب على الكفر الذي حملهم على ذلك الاعتذار الذي هو ذنب في نفسه كان أقصى عقابه