مس النار دون إحاطتها لو لم يكن سببه الكفر بتكذيب الرسول فيما جاء به من حكم الجهاد وثوابه والعقاب على تركه ، أو الشك في ذلك كما قال آنفا
( وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ )
وقلما يكون الكفر إلا شكا أو ظنا ، فان رأيت صاحبه موقنا فيه فاعلم أن يقينه سكون النفس اليه عن جهل لا عن علم ، والمراد أن جهنم ستكون محيطة بهم جامعة لهم يوم القيامة ، وانما عبر عن ذلك باسم الفاعل الدال على الحال لإفادة تحقق ذلك حتى كأنه واقع مشاهد ، ويحتمل أن يقال : انها محيطة بهم الآن لان أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها قاله الزمخشري ، وانما تحيط النار بمن أحاطت به خطاياه حتى لا رجاء في توبته
( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
* * *
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
المتبادر أن هذا إخبار عن شأنهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، والحسنة كل ما يحسن وقعه ويسر من غنيمة ونصرة ونعمة ، أي انه يسوءهم كل ما يسرك ، كما ساءهم النصر في بدر وغير بدر من الغزوات
وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
أي نكبة وشدة كالذي وقع في غزوة أحد
يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ
أي قد أخذنا أمرنا بالحزم والحذر الذي هو دأبنا من قبل وقوعها إذ تخلفنا عن القتال ، ولم نلق بأيدينا إلى الهلاك
وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
أي وينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول عند بلوغهم خبر المصيبة إلى أهليهم أو يعرضوا عنك بجانبهم وهم فرحون فرح البطر والشماتة . وتقدم في معنى الآية قوله
( 3 : 120 إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ )
الآية وهي في سياق غزوة أحد
وقد ورد في التفسير المأثور ما يدل على أن الآية خبر عن مستقبل الامر في غزوة تبوك . روى ابن جرير عن ابن عباس ( رض ) قال : إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك حسنة تسؤهم ، قال : الجد وأصحابه . وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه ( رض ) قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبار السوء ، يقولون إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا ، فبلغهم تكذيب خبرهم وعافية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فساءهم ذلك ، فأنزل اللّه تعالى
( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ )
الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية