العرب ، فتولى عنه وتلهى بهذه الفكرة ، ولم يكن يعلم قبل اعلام اللّه تعالى ان سنته في البشر ان يكون أول من يتبع الأنبياء والمصلحين فقراء الأمم وأوساطها ، دون أكابر مجرميها المترفين ورؤسائها الذين يرون في اتباع غيرهم ضعة بذهاب رياستهم ، ومساواتهم لمن دونهم الخ فيكفرون عنادا ، ويجحدون بآيات اللّه استكبارا لا اعتقادا
وكان من حكمة اللّه عز وجل في تربية رسوله وتكميله ان يبين له بعض الحقائق بعد اجتهاده الشخصي البشري فيها لتكون أوقع في نفسه وأنفس أتباعه ، فيحرصوا على العمل بمقتضاها ، ولا يبيحوا لأنفسهم تحكيم آرائهم أو أهوائهم فيها ، وكذلك كان سلفا الصالحون الذين أورثهم اللّه بهداية كتابه وسنة رسوله الأرض من بعد أهلها ، فخلف من بعدهم خلف تركوها ، فغلب عليهم الجهل والنفاق ، فسلبهم ذلك الملك العظيم ، فهل يفقه أهل عصرنا ويعتبرون ؟ ومتى يتدبرون ويهتدون ؟
* * *
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ
أي تالله لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين من قبل هذا العهد - عهد غزوة تبوك - وأوله ما كان في غزوة أحد
( 3 : 122 إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا )
وذلك انهم لما خرجوا إلى أحد اعتزلهم عبد اللّه بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بنحو ثلث الجيش في موضع يسمى الشوط ، بين المدينة وأحد ، وطفق يقول لهم في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أطاعهم وعصاني .
وفي رواية : أطاع الولدان ومن لا رأي له ، فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا ؟ وكان رأي ابن ابيّ لعنه اللّه عدم الخروج إلى أحد ، ورأي الجمهور - ولا سيما الشبان - الخروج فعمل صلّى اللّه عليه وسلّم برأي الأكثر على أنه كان خلاف رأيه أيضا ، فرجع ابن أبي بمن اتبعه من المنافقين ، وكاد يفشل بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج بقوله وفعله ، فعصمهما اللّه تعالى من الفتنة بفضله ، وذلك قوله تعالى
( وَاللَّهُ وَلِيُّهُما )
وتقدم تفصيل ذلك في الكلام على غزوة أحد من تفسير الجزء الرابع
وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
اي دبروا لك الحيل والمكايد ، ودوّروا الآراء في كل وجه من وجوهها لابطال دينك ، وفض قومهم من حولك ، فان تقليب الشيء تصريفه في كل وجه من وجوهه ، والنظر في كل ناحية من انحائه ، ليعلم أيها الأولى