تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
الرازي عنه وعن القاضي عبد الجبار في الرد عليه وكلاهما من المعتزلة وأقول : ان هذا الاحتمال الذي ذكره أبو مسلم مردود بان الخروج إلى الجهاد ما كان يحتاج إلى إذن بعد إعلان النفير فيستأذنوا له . واما كون خروجهم مفسدة فهو صحيح وسيأتي النص عليه ( في الآية 47 ) ولكن أولئك المستأذنين لم يكونوا يريدون الخروج كما تقدم فكانت المصلحة في عدم الإذن لهم لينكشف سترهم ، فيعرف النبي والمؤمنون كنه أمرهم ، ويثبت هذا قوله تعالى * * *
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً
من الزاد والراحلة وغير ذلك مما يعد لمثل هذا السفر البعيد وكانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا كما دلت عليه الآية
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
الانبعاث مطاوع البعث وهو إثارة الانسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشيء بقوة ونشاط كبعث الرسل ، أو إزعاج كبعثت البعير فانبعث ، وبعث اللّه الموتى . والتثبيط التعويق عن الامر والمنع منه بالتكسيل أو التخذيل ، ولم ترد في التنزيل إلا في هذه الآية . والمعنى كره اللّه نفرهم وخروجهم مع المؤمنين لما سيذكر من ضرره العائق عما أحبه وقدره من نصرهم ، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر والمخاوف التي هي مقتضى سنته في تأثير النفاق ، فلم يعدوا للخروج عدته لأنهم لم يريدوه ، وانما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من العصيان
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
في هذا القيل وجوه أحدها : انه تمثيل لداعية القعود التي هي أثر التثبيط ، وفي معناه انه أمر قدري تكويني لا خطاب كلامي ، والثاني انه قول الشيطان بالوسوسة . والثالث انه قول بعضهم لبعض . والرابع انه حكاية لإذن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لهم ، وانه قاله بعبارة تدل على السخط لا على الرضاء ، إذ معناه اقعدوا مع الأطفال والزمنى والعجزة والنساء ، فأخذوه على ظاهره لموافقته لمرادهم ويحتج المجبرة ومنهم الأشعرية على المعتزلة بهذه الآية ، ويتأولها هؤلاء بأنها لا تنافي وجوب مراعاة المصالح وتحسين العقل وتقبيحه ، ومذهبنا في أمثالها انها بيان لسنة اللّه تعالى في ترتيب الاعمال الاختيارية ، على ما يبعث عليها من العقائد والصفات النفسية ، وموافقة ذلك هنا لحكمته وعنايته تعالى بأمر المؤمنين ، وذلك توفيق