وهذه الآيات أول السياق في هذا البيان للتفرقة بينهم وبين المؤمنين في امر القتال ، ولعله صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعلم ذلك الا بعد نزولها . قال عز وجل
* * *
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
هذا نفي للشأن يراد به بيان الواقع في نفسه فلا يلاحظ في الفعل فيه الزمان الحاضر أو المستقبل الذي وضع له المضارع بل يشملهما كما يشمل الماضي ، كما تقول : الصائم لا يغتاب الناس ، والذي يزكي لا يسرق ، أي هذا شأن كل منهما ، فالمعنى انه ليس من شأن المؤمنين بالله الذي كتب عليهم القتال ، واليوم الآخر الذي يكون فيه الاجر الأكمل على الاعمال ، ولا من عادتهم أن يستأذنوك أيها الرسول في أمر الجهاد في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم إذا عرض المقتضي له ، لان هذا من لوازم الايمان التي لا تتوقف على الاستئذان
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )
وإذا لم يكن من شأنهم ان يستأذنوا في الجهاد بل يقدمون عليه عند وجوبه من غير استئذان لما تقدم آنفا ، بل هم يستعدون له في وقت السلم باعداد القوة ورباط الخيل من استطاع ذلك منهم ، فهل يكون من شأنهم أن يستأذنوك في التخلف عنه ، بعد إعلان النفير العام له ؟ كلا ان أقصى ما قد يقع من بعضهم التثاقل والبطء في مثل هذا السفر البعيد
ويحتمل ان يكون المعنى : لا يستأذنك هؤلاء المؤمنون في القعود والتخلف كراهة ان يجاهدوا في سبيل اللّه فان الجهاد لا يكرهه المؤمن الصادق الذي يرجو اللّه والدار الآخرة ، ويعلم أن عاقبة الجهاد الفوز بإحدى الحسنيين : الغنيمة والنصر ، أو الشهادة والاجر ، وانما قد يستأذن صاحب العذر الصحيح منهم وهم الذين قبل اللّه عذرهم وأسقط الحرج عنهم في الآيتين ( 91 و 92 ) روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا « من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللّه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه » الخ يعني رجلا أعد فرسه رباطا في سبيل اللّه كلما سمع هيعة اي صيحة لقتال أو في قتال أو فزعة اي دعوة للإغاثة والنصر فيه طار على فرسه يبتغي القتل والموت في مظانه اي المواضع التي يظن أنه يلقى القتل والموت فيها