روي عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بآية سورة النور
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
والجمهور على أنها محكمة ، وما أرى هذا الرأي يصح عن ابن عباس ، فان سورة النور نزلت قبل هذه السورة بالاتفاق ، وموضوع الاستئذان فيها غير موضوعه هنا وإلا كانتا متناقضتين ، فآية براءة في الاستئذان بالتخلف عن الجهاد والقعود عنه بعد النداء بالنفير العام ، وآية النور في استئذان من يكون مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على امر جامع كالجمعة والعيدين - وليكن منه الجهاد - ويعرض لأحدهم حاجة يريد قضاءها والعودة إلى الجماعة ، فكان بعضهم لا يرى بذلك بأسا كالذين كانوا مجتمعين معه صلّى اللّه عليه وسلّم لصلاة الجمعة فجاءت العير بالتجارة فانفضوا إليها وتركوه قائما يخطب ليس معه إلا اثنا عشر منهم أبو بكر وعمر وجابر الذي اخرج الشيخان والترمذي وغيرهم هذا الحديث عنه ، وفي رواية ابن عباس عند ابن مردويه في تفسيره انه بقي معه سبعة عشر رجلا وسبع نسوة . وفي هذه الحادثة نزلت الآيات التي في اخر سورة الجمعة فصار المؤمنون بعد ذلك لا يخرجون من حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لحاجة تعرض لهم إلا إذا استأذنوه وأذن لهم ، ولهذا قال اللّه تعالى في آية براءة
( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )
الآية . والعجب من المفسرين الذين نقلوا هذه الرواية عن ابن عباس كيف سكتوا عن بيان هذا ، من سلم منهم القول بالنسخ ومن لم يسلمه ؟
وحكى الرازي عن أبي مسلم الخراساني في قوله تعالى
( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ )
انه ليس فيه ما يدل على أن ذلك الاذن فيماذا ، فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له ، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له ، مع أنه ما كان خروجهم معه صوابا لأجل انهم كانوا عيونا للمنافقين على المسلمين . فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل ، فلهذا السبب ما كان خروجهم مع الرسول مصلحة . قال القاضي :
هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين ، وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم اه ما نقله