وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
له باجتناب ما يسخطه وفعل ما يرضيه ونيتهم فيه وانه ليس من شأنهم ان يستأذنوا بالتخلف كراهة للقتال ، فهو يجزيهم وصفهم ، وقد استنبط من الآية انه لا ينبغي الاستئذان في أداء شيء من الواجبات ، ولا في الفضائل والفواضل من العادات ، كقرى الضيوف ، وإغاثة الملهوف ، وسائر عمل المعروف ، ويعجبني قول بعض العلماء ما معناه : من قال لك أتأكل ؟ هل آتيك بكذا من الفاكهة أو الحلوى مثلا ؟ فقل له لا ، فإنه لو أراد أن يكرمك لما استأذنك
* * *
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
هذا تصريح بمفهوم ما سبق لزيادة تأكيده وتقريره ، وجاء الحصر فيه بأنما التي موضعها ما هو معلوم بالجملة ، لان المعنى قد علم من مفهوم الحصر بالنفي والاثبات الذي قبله « 1 » والمعنى انما يستأذنك في التخلف عن الجهاد الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لأنهم يرون بذل المال للجهاد مغرما يفوت عليهم بعض منافعهم به ولا يرجون عليه ثوابا كما يرجو المؤمنون ، ويرون الجهاد بالنفس آلاما ومتاعب وتعرضا للقتل الذي ليس بعده حياة عندهم ، فطبيعة كفرهم بالله واليوم الآخر تقتضي كراهتهم للجهاد وفرارهم منه ما وجدوا له سبيلا ، بضد ما يقتضيه ايمان المؤمنين كما تقدم
وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ
اي وقد وقع لهم الريب والشك في الدين من قبل ، فلم تطمئن به قلوبهم ، ولم تذعن له نفوسهم ، وانما الايمان هو اليقين المقارن للاذعان وخضوع النفس
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
متحيرين في امرهم ، مذبذبين في عملهم ، يحسبون كل صيحة عليهم ، فهم يوافقون المؤمنين فيما يسهل أداؤه من عبادات الاسلام ، فإذا عرض لهم ما يشق عليهم فعله ضاقت به صدورهم ، والتمسوا التفصي منه بما استطاعوا من الحيل والمعاذير الكاذبة ، حتى أنه كان يشق عليهم حضور صلاة الفجر والعشاء كما ورد في الصحيح . وسيأتي في بيان فضائحهم
( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ )
وقد ورد في بعض الروايات ان عدد هؤلاء المنافقين كان تسعة وثلاثين رجلا ، ولعل المراد المستأذنون أو المتخلفون منهم
هامش
( 1 ) راجع هذا الفرق بين الحصرين في ص 159 ج 8 تفسير