نقيضه بعد ما كان محتملا له احتمالا عقليا ، وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكون ظهوره تبينا له بل هو نقيض لمدلوله ، فما يتعلق به يكون علما مستأنفا ، وإسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسّلام لا إلى المعلومين ببناء الفعل للمفعول مع إسناد التبين إلى الأولين لما أن المقصود ههنا علمه عليه الصلاة والسّلام بهم ومؤاخذتهم بموجبه ، بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم . ومن لم يتنبه لهذا قال حتى يتبين لك من صدق في عذره ممن كذب فيه . وإسناد التبين إلى الأولين وتعليق العلم بالآخرين - مع أن مدار الاستناد والتعلق أولا وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير اليه - لما أن المقصد هو العلم بكلا الفريقين ، باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين ، ومعاملتهما بحسب استحقاقهما ، لا العلم بوصفيهما بذاتيهما ، أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما ، اه
* * *
( 44 ) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 45 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 46 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس ( رض ) أنه قال لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة ، والظاهر أن مراده لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من التفصيل كما قال اللّه له في الذين مردوا على النفاق
( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )
وستأتي في هذا السياق . إذ من المعلوم أن ذكر المنافقين وبعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم جاءت في عدة سور نزلت قبل سورة براءة منها سور المنافقين والأحزاب والنساء والأنفال والقتال والحشر ، وأما سورة براءة فهي الفاضحة لهم والكاشفة لجميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة