تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
حديث طلحة في تأبير النخل إذ رآهم صلّى اللّه عليه وسلّم يلقحونها فقال « ما أظن يغني ذلك شيئا » فأخبروا بذلك فتركوه ظنا منهم أن قوله هذا من أمر الدين فنفضت النخل وسقط ثمرها ، فأخبر بذلك فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فاني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به فاني لن أكذب على اللّه عز وجل » رواه مسلم وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ( ع . م ) قالوا ولكن لا يقرهم اللّه على ذلك بل يبين لهم الصواب فيه . ومنه ما تقدم في سورة الأنفال من عتاب اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في أخذ الفدية من أسارى بدر « 1 » والخطأ هنالك أعظم مما هنا ، فغاية ما فيه هنا انه مخالف لما يقتضيه الحزم ، وكان من لطف الرب اللطيف الخبير ، برسوله البشير النذير ، ان أخبره بالعفو عنه ، قبل بيانه له ، وأما ذاك فقد بدأ عتابه له وللمؤمنين الذين عمل برأي جمهورهم في أحذ الفدية بقوله
( 8 : 67 ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ )
ثم بين انه كان مقتضيا لعذاب أليم لولا كتاب من اللّه سبق فكان مانعا ، وسنذكر فائدة أمثال هذا الاجتهاد والخطأ في تفسير الآية 47 وهي قريبة ومن مباحث البلاغة في الآية نكتة الاختلاف في التعبير عن الصادقين والكاذبين إذ عبر عن الأولين بالاسم الموصول بالفعل الماضي ، وعن الكاذبين باسم الفاعل وقد بين ذلك أبو السعود بقوله . ونغيير الأسلوب بان عبر عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام ، للايذان بان ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين ، وأن ما صدر من الآخرين وان كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ناشيء عن رسوخهم في الكذب ، والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين ، وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي فظهور صدقه انما هو تبين ذلك المدلول وانقطاع احتمال
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآيات ( 8 : 67 و 68 و 69 في صفحة 83 - 100 ج 10 )
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 466 | الشيخ محمد رشيد رضا