تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
هذا وان بعض المفسرين ولا سيما الزمخشري قد أساؤا الأدب في التعبير عن عفو اللّه تعالى عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية ، وكان يجب أن يتعلموا منها أعلى الأدب معه صلوات اللّه وسلامه عليه ، إذا اخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب ، وهو منتهى التكريم واللطف ، وبالغ آخرون كالرازي في الطرف الآخر فأرادوا أن يثبتوا أن العفو لا يدل على الذنب ، وغايته أن الاذن الذي عاتبه اللّه عليه هو خلاف الأولى ، وهو جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب وهو المعصية ، وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من اثبات ما أثبته اللّه تعالى في كتابه تمسكا باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له ولمدلول اللغة أيضا ، فالذنب في اللغة كل عمل يستتبع ضررا أو فوت منفعة أو مصلحة ، مأخوذ من ذنب الدابة ، وليس مرادفا للمعصية بل أعم منها والاذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين . وقد قال تعالى
( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ )
الآية فالتفصي من إسناد الذنب إلى الأنبياء بالتأويل ليوافق المذاهب والقواعد كالتفصي مما وصف اللّه به نفسه وما أسنده إليها من العلو والاستواء على العرش أو غيرهما من الصفات ، وهو يستلزم جعل بيان نظار المتكلمين لحقائق دين اللّه أفصح وأبين وأولى بالتلقين من كتاب اللّه عز وجل الذي وصفه بأنه تبيان لكل شيء ، ولو قيل : ان لازم المذهب مذهب مطلقا وإن لم يفطن له صاحب المذهب ويلتزمه ، كما يقوله الذين يكفرون كثيرا من المخالفين لهم ، لجاز الحكم بكفر هؤلاء المتأولين المحرفين ، ولكن أهل الحق من علماء السلف يمنعون من الحكم بالكفر على الشخص المعين ، فيما يتأول فيه مما هو كفر في نفسه ، ويعدون من العذر بالجهل ما لا يعده المتكلمون عذرا وقد كان الاذن المعاتب عليه اجتهادا منه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما لا نص فيه من الوحي ، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه ، وانما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحي ببيانه والعمل به ، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو يخطئ فيما يبلغه عن ربه أو يخالفه بالعمل ، ويؤيده « تفسير القرآن الحكيم » « 59 » « الجزء العاشر »