يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 43 ) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
كان دأب المؤمنين وعادتهم إذا استنفرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم للقتال أن ينفروا بهمة ونشاط ، ولما استنفرهم لغزوة تبوك تثاقلوا لما تقدم من الأسباب ، وللتثاقل درجات تختلف باختلاف قوة الايمان وضعفه ، ويسر الأسباب وعسرها ، وكثرة الاعذار وقلتها ، ولكن نفر الأكثرون طائعين ، وتخلف الأقلون عاجزين . وأما المنافقون فقد كبر عليهم الامر ، وعظم فيهم الخطب ، وطفقوا ينتحلون الاعذار الواهية ، ويستأذنونه صلّى اللّه عليه وسلّم في القعود والتخلف فيأذن لهم ، فكان نزول هذه الآيات وما بعدها لبيان تلك الحال وأحكام تلك الوقائع . وهي لا تفهم إلا بمعرفة أسبابها ، كما كان يعرفها من وقعت منهم ومعهم وفيما بينهم . ومن حكمة اللّه تعالى في هذا الأسلوب أنه يضطر المؤمنين بعد ذلك العصر إلى البحث عن تاريخه ليستعينوا به على فهم ما تعبدهم اللّه تعالى به من الآيات فيعرفوا نشأة دينهم ، وسياسة ملتهم ، وصفة تكوين أمتهم ، ولا شيء أعون للأمم على حفظ حقيقتها كمعرفة تاريخها .
* * *
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ
أي لو كان ما استنفرتهم له ودعوتهم اليه أيها الرسول عرضا - وهو ما يعرض للمرء من منفعة ومتاع ، مما لا ثبات له ولا بقاء - قريب المكان أو المنال ، ليس في الوصول اليه كبير عناء ، وسفرا قاصدا ، أي وسطا لا مشقة فيه ولا كلال « 1 » لا تبعوك فيه ، وأسرعوا بالنفر اليه ، لان حب المنافع المادية والرغبة فيها لاصقة بطبع الانسان ، وناهيك بها إذا كانت سهله المأخذ قريبة المنال ، وكان الراغب فيها من غير الموقنين بالآخرة وما فيها من الاجر العظيم للمجاهدين ، كأولئك المنافقين
وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
التي دعوا إليها وهي تبوك - والشقة الناحية أو المسافة والطريق التي لا نقطع إلا بتكبد المشقة
هامش
( 1 ) يقال سير قاصد وسفر قاصد ، وليلة قاصدة وليال قواصد ، أي هينة السير ، من القصد وهو الاعتدال ، بوصف به الفعل وزمانه ، وهو في الأصل وصف للفاعل ، ففي وصايا لهمان لابنه من التنزيل ( واقصد في مشيك )