تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
الافسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا همّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ، فقلت يا عم قد أعذر اللّه إليك ، قال فرفع حاجبيه عن عينيه فقال يا ابن أخي استنفرنا اللّه خفافا وثقالا ، ألا انه من يحبه اللّه يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وانما يبتلي اللّه من عباده من صبر وشكر وذكر ، ولم يعبد الا اللّه عز وجل ، أقول بمثل هذا الفهم للقرآن والاهتداء به فتح سلفنا البلاد ، وسادوا العباد ، وكانوا خيرا لهم من أبناء جلدتهم ، والمشاركين لهم في ملتهم . ولم يبق لأحد من شعوب أمتنا حظ من القرآن الا تغني بعضهم بتلاوته من غير فهم ولا تدبر ، واشتغال آخرين باعراب جمله ، ونكت البلاغة في مفرداته وأساليبه ، من غير علم ولا فقه فيها ، ولا فكر ولا تدبر لما أودع من العظات والعبر في مطاويها ، فهم يتشدقون بأن ( خفافا وثقالا ) منصوبان على الحال ، ولا يرشدون أنفسهم ولا غيرهم إلى ما أوجباه على ذي الحال . وقد يذكر من يسمى الفقيه فيهم ما قيل من أن الآية منسوخة بقوله تعالى
( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً )
وهو زعم مخالف لما عليه الأئمة كافة ، من أنه لا تعارض بين الآيتين كما سيأتي في تفسير الثانية . وبمثل هذا وذاك أضاع المسلمون ملكهم ، وصار أكثرهم عبيدا لأعدائهم . ثم بين تعالى ما يجب من هذا النفر بقوله :
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي وجاهدوا أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت من العلو والفساد في الأرض ، ببذل أموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه الموصلة إلى الحق وإقامة ميزان العدل . فمن قدر على الجهاد بما له وبنفسه معا وجب عليه الجهاد بهما ، ومن قدر على أحدهما دون الآخر وجب عليه ما كان في قدرته منهما . كان المسلمون في الصدر الأول ينفق كل على نفسه في القتال ، ومن كان عنده فضل من المال بذل منه في تجهيز غيره كما فعل عثمان ( رض ) في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة ، وكما فعل غيره من أغنياء الصحابة ( رض ) وهكذا يفعل أهل نجد الآن ولما صار بيت المال غنيا بكثرة الغنائم صار الأئمة والسلاطين يجهزون الجيش من بيت المال . وأئمة اليمن يدخرون المال لأجل القتال وينفقون على طائفة من الناس طول السنة لتكون مستعدة للقتال كلما استنفرت له . والدول المنظمة تقرر