لكن كان كل ذلك ، ونالت تلك الأمة المرحومة على ضعفها ما لم تنله أمة سواها . نعم قوم صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فوفاهم أجورهم مجدا في الدنيا ، وسعادة في الآخرة .
هذه الأمة يبلغ عددها اليوم زهاء مئتي مليون من النفوس « 1 » وأراضيها آخذة من المحيط الانلانتيكي إلى أحشاء بلاد الصين - تربة طيبة ، ومنابت خصبة ، وديار رحبة ، ومع ذلك ترى بلادها منهوبة ، وأموالها مسلوبة ، تتغلب الأجانب على شعوب هذه الأمة شعبا شعبا ، ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة ، ولم يبق لها كلمة تسمع ، ولا أمر يطاع ، حتى إن الباقين من ملوكها يصبحون كل يوم في ملمة ، ويمسون في كربة مدلهمة ، ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم ، وصار الخوف عليهم أشد من الرجاء لهم
هذه هي الأمة التي كان الدول العظام يؤدين لها الجزية عن يد وهن صاغرات ، استبقاء لحياتهن ، وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلف إلى تلك الدول الأجنبية . يا للمصيبة ويا للرزية ! !
أليس هذا بخطب جلل ، أليس هذا ببلا ، نزل ، ما سبب هذا الهبوط ، وما علة هذا الانحطاط ؟ هل نسيء الظن بالعهود الإلهية ؟ معاذ اللّه ! هل نستيئس من رحمة اللّه ونظن أن قد كذب علينا ؟ نعوذ باللّه ! هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد ما أكده لنا ؟ حاشاه سبحانه ! لا كان شيء من ذلك ولن يكون ، فعلينا أن ننظر لأنفسنا ولا لوم لنا إلا عليها ، ان اللّه تعالى برحمته قد وضع لسير الأمم سننا متبعة ثم قال
( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) *
أرشدنا سبحانه في محكم آياته إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها ، ولا بادت ومحي اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها اللّه على أساس الحكمة البالعة . إن اللّه لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر ، وإشراق البصيرة ، والاعتبار بأفعال اللّه في الأمم السابقة ، والتدبر في أحوال الذين جاروا عن صراط اللّه فهلكوا وحل بهم الدمار ، ثم لعدو لهم عن
هامش
( 1 ) كان هذا هو المشهور من احصاء المسلمين من زهاء نصف قرن ويقدر الآن بثلاثمائة مليون أو 350 مليونا