تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
سنة العدل ، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة ، حادوا عن الاستقامة في الرأي ، والصدق في القول ، والسلامة في الصدر ، والعفة عن الشهوات ، والحمية على الحق ، والقيام بنصره ، والتعاون على حمايته ، خذلوا العدل ولم يجمعوا هممهم على إعلاء كلمته ، واتبعوا الأهواء الباطلة ، وانكبوا على الشهوات الفانية ، وأتوا عظائم المنكرات ، خارت عزائمهم ، فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة ، واختاروا الحياة في الباطل على الموت في نصرة الحق ، فأخذهم اللّه بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين هكذا جعل اللّه بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل التي أشرنا إليها ، وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها . سنة ثابتة لا نختلف باختلاف الأمم ، ولا تتبدل بتبدل الأجيال ، كسنته تعالى في الخلق والايجاد ، وتقدير الارزاق ، وتحديد الآجال . علينا أن نرجع إلى قلوبنا ، ونمتحن مداركنا ، ونسير أخلاقنا ، ونلاحظ مسالك سيرنا ، لنعلم هل نحن على سيرة الذين سبقونا بالايمان ؟ هل نحن نقتفي أثر السلف الصالح ؟ هل غيّر اللّه ما بنا قبل أن نغير ما بأنفسنا ، وخالف فينا حكمه ، وبدل في أمرنا سنته ؟ حاشاه وتعالى عما يصفون ، بل صدقنا اللّه وعده ، حتى إذا فشلنا وتنازعنا في الأمر ، وعصيناه من بعد ما أرى اسلافنا ما يحبون ، وأعجبتنا كثرتنا فلم تغن عنا شيئا ، فبدل عزنا بالذل ، وسموّنا بالانحطاط ، وغنانا بالفقر ، وسيادتنا بالعبودية . نبذنا أوامر اللّه ظهريا ، وتخاذلنا عن نصره ، فجازانا بسوء أعمالنا ، ولم يبق لنا سبيل إلى النجاة والإنابة اليه . كيف لا نلوم أنفسنا ونحن نرى الأجانب عنا يغتصبون ديارنا ويستذلون أهلها ، ويسفكون دماء الأبرياء من اخواننا ، ولا نرى في أحد منا حراكا ؟ هذا العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة لا يبذلون في الدفاع عن أوطانهم وأنفسهم شيئا من فضول أموالهم ، يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، كل واحد منهم يود لو يعيش ألف سنة ، وإن كان غذاؤه الذلة وكساؤه المسكنة ، ومسكنه الهوان . تفرقت كلمتنا شرقا وغربا ، وكاد يتقطع ما بيننا ، لا يحن أخ لأخيه ، ولا يهتم جار بشأن جاره ، ولا يرقب أحدنا في الآخر إلّا ولا ذمة ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 44 | الشيخ محمد رشيد رضا