هو الصادق في وعده ووعيده ، ما اتخذ رسولا كذابا ، ولا أتى شيئا عبثا ، وما هدانا إلا سبيل الرشاد ، ولا تبديل لآياته ، تزول السماوات والأرض ولا يزول حكم من أحكام كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
يقول اللّه
( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
- ويقول -
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
- وقال -
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
- وقال -
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً )
هذا ما وعد اللّه في محكم الآيات مما لا يقبل تأويلا ، ولا ينال هذه الآيات بالتأويل ، إلا من ضل عن السبيل ، ورام تحريف الكلم عن مواضعه . هذا عهده إلى تلك الأمة المرحومة ، ولن يخلف اللّه عهده ، وعدها بالنصر والعزة وعلو الكلمة ، ومهد لها سبيل ما وعدها إلى يوم القيامة ، وما جعل اللّه لمجدها أمدا ، ولا لعزة وعلو الكلمة ، ومهد لها سبيل ما وعدها إلى يوم القيامة ، وما جعل اللّه لمجدها أمدا ، ولعزتها حدا
هذه أمة أنشأها اللّه عن قلة ، ورفع شأنها إلى ذروة العلى ، حتى ثبتت أقدامها على قنن الشامخات ، ودكت لعظمتها عوالي الراسيات ، وانشقت لهيبتها مراثر الضاريات ، وذابت للرعب منها أعشار القلوب ، هال ظهورها الهائل كل نفس ، وتحير في سببه كل عقل ، واهتدى إلى السبب أهل الحق فقالوا : قوم كانوا مع اللّه فكان اللّه معهم ، جماعة قاموا بنصر اللّه واسترشدوا بسنته فأمدهم بنصر من عنده . هذه أمة كانت في نشأنها فاقدة الذخائر ، معوزة من الأسلحة وعدد القتال ، فاخترقت صفوف الأمم واختطت ديارها ، ولا دفعتها أبراج المجوس وخنادقهم ، ولا صدتها قلاع الرومان ومعاقلهم ، ولا عاقها صعوبة المسالك ، ولا أثر في همتها اختلاف الاهوية ، ولا فعل في نفوسها غزارة الثروة عند من سواها ، ولا راعها جلالة ملوكهم ، وقدم بيوتهم ، ولا تنوع صنائعهم ، ولا سعة دائرة فنونهم ، ولا عاق سيرها أحكام القوانين ولا تنظيم الشرائع ، ولا تقلب غيرها من الأمم في فنون السياسة . كانت تطرق ديار القوم فيحقرون أمرها ، ويستهينون بها ، وما كان يخطر ببال أحد أن هذه الشرذمة القليلة تزعزع أركان تلك الدول العظيمة وتمحو أسماءها من لوح المجد . وما كان يختلج بصدر أن هذه العصابة الصغيرة تقهر تلك الأمم الكبيرة وتمكن في نفوسها عقائد دينها ، وتخضعها لأوامرها وعاداتها وشرائعها ،