تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
قلما يجهل أحد من أذكياء هؤلاء الممترين في فساد الجماعة أو الشركة أو الحكومة التي يرتقي العامل فيها بالكذب ، والخيانة والظلم ، وإذا بلغ قوم هذه الغاية من الفساد ألفوه وعدوه من ضروريات الحياة ولم تعد قلوبهم تتوجه إلى الخروج منه باصلاح ما بأنفسهم وانما يتلافون من شره ما استطاعوا ببعض النظم والقوانين الصورية وإن من الاخلاق الكريمة ما صار الفاسدون المفسدون يجادلون في حسنه ركونه من الفضائل التي يصلح بها حال الافراد ويرتقي به مجموع الأمة كالحياء والرحمة والعفة : يقولون إن الحياء ضعف في النفس وكذلك الرحمة ، وهذا خطأ لا محل هنا لبيانه وهو قديم وانما الجديد الذي لم يطرق مسامعنا قبل هذه الأيام هو المراء في فضيلة العفة فان دعاة الفساد الذي يسمونه تجديد الأمة قد اقترفوا هذه الجريمة ولا غرو فان من أركانه عندهم تهتك النساء وامتزاجهن بالرجال في الملاعب والمراقص والمسارح والمسابح ( مواضع السياحة في البحر ) فقد كتب أحدهم في بعض الصحف الناشرة لدعايتهم ان العفة يختلف معناها باختلاف معارف الناس وعرفهم وأذواقهم وتقدمهم في الحضارة ، ومن ذلك ان المرنقين الآن لا يعدون رقص النساء مع الرجال منافيا للعفة ولا مخلّا بها . ووثب كاتب آخر منهم وثبة أخرى فقال إنه قد ظهر في هذا الزمان ان إرخاء العنان للشهوات البدنية لا يضر في الجسد ولا في النفس ولا يخل بالآداب ، ولا يضعف الأمة عدم التزام الأديان والشرائع فيه - قال المفسد قاتله اللّه : وقد تبت هذا بالتجربة في الأمة الاميركانية فظهر به خطأ المتقدمين فيه ، وهذا زعم باطل يتقرب به قائله إلى المسرفين من الفساق ، ولا يزال الأطباء والحكماء مجمعين على هدم الاسراف في الشهوات لبناء البنية بما يولده من الضعف والأمراض ، كما أنه مفسد للآداب والاخلاق ما زال البشر يمارون في كل شيء حتى الحسيات والضروريات وانما الكلام المقبول في كل موضوع لعلماء أهله ، ألم تر انهم يمارون في مضار شرب الخمر ويدعون نفعها والأطباء المحققون يثبتون خلاف ذلك ، يثبتون إن إنها أكبر من نفعها وأن النفع القليل الخاص ببعض الأحوال المرضية قد يعارضه فيها نفسها من الضرر ما هو أقوى منه فيجعل ترك التداوي بها أولى إذا وجد أي شيء آخر يقوم مقامها
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 40 | الشيخ محمد رشيد رضا