( الكلمة الثانية مناقب الصديق في قصة الهجرة )
قد دلت هذه الآية الكريمة وما يفسرها ويشرحها من الأحاديث الصحيحة وما في معناها من الاخبار والآثار مما دونها في الرواية على مناقب وفضائل لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه امتاز بها على جميع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نذكر منها ما يتبادر إلى الفهم بغير تكلف لبداهته ، ومن غير مراعاة ترتيب
( الأولى ) أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأمن على سره وعلى نفسه في هذه الحادثة التي كانت أهم حوادث رسالته وأشدها خطرا وخيرها عاقبة غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق وان شئت قلت إنه لم يختر لصحبته وإيناسه فيها غيره . ويؤيده ما رواه ابن عدي وابن عساكر من طريق الزهري عن أنس ( رض ) أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لحسان « هل قلت في أبي بكر شيئا ؟ قال نعم ، قال « قل وأنا أسمع » فقال
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدو به إذ صعّد الجبلا
وكان حب رسول اللّه قد علموا * من البرية لم يعدل به رجلا
فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بدت نواجذه ثم قال « صدقت يا حسان هو كما قلت »
( الثانية ) انه صلّى اللّه عليه وسلّم رضي أن تكون نفقة هذه الرحلة من مال أبي بكر الذي أنفق جميع ماله في خدمته صلّى اللّه عليه وسلّم الا انه أحب أن تكون الراحلة التي ركبها بالثمن يدفعه بعد ذلك . وتقدم ما قاله بعض العلماء في تعليل ذلك وفي صحيح البخاري ان عمر بن الخطاب غضب من أبي بكر رضي اللّه عنه في محاورة بينهما فطلب منه أبو بكر أن يغفر له فأبي فأنى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « يغفر اللّه لك يا أبا بكر » ثلاثا - قال الراوي وهو أبو الدرداء ( رض ) - ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فقال : أثم أبو بكر ؟ فقالوا لا - فأتى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسلم عليه فجعل وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتمعر حتى اشفق أبو بكر « 1 » فجثا على ركبتيه فقال يا رسول اللّه واللّه أنا كنت أظلم - مرتين - فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي » ؟ مرتين - فما أوذي أبو بكر
هامش
( 1 ) معر الوجه وتمعر بالتشديد للتكثير أو التدريج تغير من الغيظ حتى خاف أبو بكر ان يكلم عمر كلاما شديدا