تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
أكثر المناصب الدينية فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أرسل إلى الخلق وعرض الاسلام على أبي بكر آمن أبو بكر ثم ذهب وعرض الاسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة ( رض ) والكل آمنوا على يديه ثم إنه جاء بهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أيام قلائل فكان هو ( رض ) ثاني اثنين في الدعوة إلى اللّه وأيضا كلما وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة كان أبو بكر يقف في خدمته ولا يفارقه فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين ، ولما توفي دفن بجنبه فكان ثاني اثنين هناك أيضا اه وأخص من هذا كله أنه كان ثانيه في الشروع في إقامة الشرع في دار الهجرة فلم ير الأنصار معه صلّى اللّه عليه وسلّم أحدا قبله ( السابعة ) - وهي تؤيد ما تضمنه معنى الاثنينية من رفعة المقام - قوله صلّى اللّه عليه وسلّم له « يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » وانها لمنقبة تتضاءل دونها المناقب ، ومرتبة تنحدر عن عليا سمائها المراتب ، أكبر أعلم رسل اللّه باللّه أمرها ، وهو أعلم بقدرها ، فان قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ظنك يا أبا بكر » بكذا يراد به أنه لا يمكن أن تحوم الظنون أو تنتهي الآراء والافكار إلى شأن أعلى من شأنها ، ومنعة أعز من منعتها الخ ( الثامنة ) حكاية رب العزة والجلال لقول رسول الذي ختم به النبيين ، وأرسله رحمة للعالمين ، لهذا الصاحب الصديق المكين ،
( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا )
فهي دليل على أنه قال له ذلك باذنه تعالى ووحيه ، لا من حسن ظنه صلّى اللّه عليه وسلّم بربه واجتهاد رأيه ، على أنه لو كان اجتهادا أقره ربه عليه وحكاه عنه ، وجعله مما يتعبد به المؤمنون ما دامت السماوات والأرض ، لكانت قيمته في غايته ، بمعنى ما كان عن الوحي منذ بدايته ، وهذا يؤيد كون ما ذكرناه في تفسير المعية من كونها معية خاصة من نوع المعية التي أيد اللّه تعالى بها موسى وهارون عليهما السّلام ، الا أنها أعلى في ذاتها وشخصها من كل أفراد هذا النوع . فالمعية الإلهية معنى إضافي يختلف باختلاف موضوعه ومتعلقه ، فمعية العلم عامة كقوله تعالى
( 58 : 7 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ