والآية ( الثالثة ) هي ما تقدم في هذه السورة في سياق غزوة حنين إذ راع المسلمين رشق المشركين إياهم بالنبل فانهزم المنافقون والمؤلفة قلوبهم واضطرب جمهور المسلمين بهزيمتهم فولوا مدبرين وثبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وجوه الكفار مع عدد قليل صار يكثر بعلمهم بموقفه ، وقد حزن قلبه لتوليهم
( 9 : 26 ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها )
وما العهد بتفسيرها ببعيد ، فهذه سكينة مشتركة بين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين سكن بها ما عرض له صلّى اللّه عليه وسلّم من تأثير هزيمتهم ، وسكن ما عرض لهم من الاضطراب لهزيمة المنافقين والمؤلفة قلوبهم كما تقدم
وأما ذكر الجنود التي وصفها تعالى بقوله
« لَمْ تَرَوْها »
فقد جاء في هاتين الآيتين من سورة براءة اي آية غزوة حنين وآية الغار من سياق الهجرة . وجاء في الكلام على غزوة الأحزاب من السورة التي سميت باسمها وهو
( 33 : 9 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً )
وقد كانت هذه الجنود والجنود التي أرسلت في يوم حنين لتخذيل المشركين وتأييد المؤمنين ، وفي معناها قوله تعالى في الكلام على غزوة بدر
( 98 إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ )
فهذه الملائكة نزلت لالقاء الرعب في قلوب المشركين وتأييد المؤمنين وتثبيت قلوبهم كما بينه تعالى بقوله
( 10 وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى
لكم
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ
- إلى قوله
12 إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ )
وراجع تفسير السياق ( في ص 607 - 614 ج 9 تفسير ) وفيه ذكر آيات سورة آل عمران التي نزلت في الكلام على غزوة أحد - فإذا كانت الملائكة في هذه المواقع كلها نزلت لتأييد المؤمنين على المشركين وتخذيل هؤلاء - وكان النائب عن جميع المؤمنين والحال محلهم في خدمة رسوله يوم الهجرة هو صاحبه الأول الذي اختاره عليهم كلهم في ذلك اليوم العظيم فأي بعد في أن يكون التأييد المرافق لانزال السكينة له لحلوله محلهم كلهم ، ومن المعلوم أنه لم يكن له هذا إلا بالتبع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أن جميع ما أيد به تعالى سائر أصحاب رسوله في جميع المواطن كان تأييدا له وتحقيقا لما وعده اللّه تعالى من النصر على جميع