وقت قوله لصاحبه
( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا )
اي انه كان هو الذي يسلي صاحبه ويثبته لا انه كان يتثبت به ( وهكذا كان شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أصحابه في كل وقت يشتد فيه القتال أيضا ) وكون سبب ذلك وعلته ايمانه الأكمل بمعية اللّه عز وجل الخاصة . فالعبرة لهم في هذه الذكريات الثلاث ان اللّه تعالى غني عن نفرهم مع رسوله بقدرته وعزته ، وان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم غني عن نصرهم له بنصره عز وجل وتأييده ، وبقدرته على تسخير غيرهم له من جنوده وعباده ، وقد بين تعالى اثر ذلك وعاقبته بقوله
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس ( رض ) في قوله
( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ )
قال على أبي بكر لان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم تزل السكينة معه . وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت
( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ )
قال على أبي بكر فاما النبي فقد كانت عليه السكينة . وقد اخذ بهذه الرواية بعض مفسري اللغة والمعقول ووضحوا ما فيها من التعليل بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن ، وقواها بعضهم بان الأصل في الصمير ان يعود إلى أقرب مذكور وهو الصاحب . وليس هذا بشيء .
وذهب آخرون إلى أن الضمير يعود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وان انزال السكينة عليه لا يقتضي ان يكون خائفا أو مضطربا أو منزعجا ، وهذا ضعيف لعطف انزال السكينة على ما قبلها بالفاء الدال على وقوعه بعده وترتبه عليه وان نزولها وقع بعد قوله لصاحبه
( لا تَحْزَنْ )
ولكنهم قووه بان ما عطف عليه من قوله
أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
لا يصح الا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد بهؤلاء الجنود الملائكة لأن الأصل في المعطوفات التعانق وعدم التفكك . وأجاب عنه الآخذون بقول ابن عباس ومجاهد - أولا - بان التأييد بالجنود معطوف على قوله
( فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ )
لا على ( أنزل
اللَّهُ سَكِينَتَهُ )
- وثانيا - بان تفكك الضمائر لا يضر إذا كان المراد من كل منها ظاهرا لا اشتباه فيه - وثالثا - بأنه لا مانع من جعل التأييد لأبي بكر نقله الآلوسي وقال كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي بكر « ان اللّه تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك » الخ وقال بعض المفسرين ان المراد بهذه الجنود