تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
أعدائه ، وإظهار دينه على الدين كله ، ولذلك قال
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا
في الآية احتمالان أحدهما أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا كلمة الشرك والكفر وبكلمة اللّه كلمة التوحيد وهو مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وعليه أهل التفسير المأثور ووجهه ان عداوة المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم انما كانت لأجل دعوته إلى التوحيد الخالص من جميع شوائب الشرك وخرافات الوثنية ولذلك قام أبو سفيان عند ظهور المشركين في أحد فقال رافعا صوته ليسمع المسلمون : أعل هبل ، اعل هبل . وهبل صنمهم الأكبر ، فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجاب « اللّه أعلى وأجل » وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ( رض ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الرجل يقاتل غضبا وحمية ويقاتل رياء وفي رواية للمغنم وللذكر أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » والاحتمال الثاني أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا ما أجمعوه بعد التشاور في دار الندوة من الفتك به صلّى اللّه عليه وسلّم والقضاء على دعوته وهو ما تقدم في سورة الأنفال من قوله تعالى
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
الخ ويكون المراد بكلمة اللّه ما قضت به ارادته ومضت به سنته من نصر رسله وبينه في مثل قوله
( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ )
وقوله
( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي )
فهذه كلمة اللّه الإرادية القدرية التي كان من مقتضاها وعده لرسوله الأعظم بالنصر . وفسر بعضهم كلمته هنا بما وعده من احباط كيدهم ورد مكرهم في نحورهم وهو قوله في تتمة الآية
( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ )
وما قلناه هو الأصل والقول الفصل ، وهذا مبني عليه . وقد قرأ الجمهور ( وكلمة للّه ) بالرفع لإفادة انها العليا المرفوعة بذاتها لا بجعل وتصيير ، ولا كسب وتدبير ، وقرأها يعقوب بالنصب ، والمراد من القراءتين معا انها هي العليا بالذات ثم بما يكون من تأييد اللّه لأهلها القائمين بحقوقها بجعلهم بها أعلى من غيرهم كما قال
( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
وبجعلها بهم ظاهرة بالعلم والعمل تعلو كل ما يخالفها عند غيرهم . فإن كان المراد بها ما تعلقت به إرادته تعالى ومضت به سنته من نصر رسله وإظهار دينه ( وهي كلمة التكوين ) فالامر ظاهر لان ما تتعلق مشيئته