تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
حدثني أبو بكر قال كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت يا رسول اللّه لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه فقال عليه الصلاة والسّلام « يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » وأما الخوف فهو انفعال النفس من أمر متوقع وقد نهى اللّه رسوليه عنه قبل وقوع سببه وهو لقاء فرعون ودعوته إلى ما أمرهما به . والنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف كما تقدم وقد كان الصديق خائفا وحزنا كما تدل عليه الروايات ، وهو مقتضى طبع الانسان . وحاصل المعنى إلا تنصروه بالنفر لما استنفركم له فان اللّه تعالى قد ضمن له النصر فهو ينصره كما نصره في ذلك الوقت الذي اضطره المشركون فيه بتألبهم عليه واجتماع كلمتهم على الفتك به - في ذلك الوقت الذي كان فيه ثاني اثنين في الغار ، اعزلين غير مستعدين للدفاع ، وكان صاحبه فيه قد ساوره الحزن والجزع - في ذلك الوقت الذي كان يقول له فيه وهو امن مطمئن بوعد اللّه وتأييده ومعيته الخاصة ( لا تحزن ان اللّه معنا ) فنحن غير مكلفين بشيء من الأسباب أكثر مما فعلنا من استخفائنا هنا . وقد بينا في الكلام على غزوة بدر من تفسير سورة الأنفال المقارنة بين حالي الرسول الأعظم والصديق الأكبر هنالك إذ كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يستغيث ربه ، ويستنجزه وعده ، وكان الصديق ( رض ) يسليه ويهون الامر عليه ، على خلاف حالهما في الغار ، وأثبتنا أن حاله صلّى اللّه عليه وسلّم في الموضعين كان الأكمل الأفضل ، إذ أعطى حال الاخذ بسنن اللّه في الأسباب والمسببات في بدر حقه ، وأعطى حال التوكل المحض في الغار حقه « 1 » فتكرار الظرف « إذ » في المواضع الثلاثة مبدلا بعضها من بعض في غاية البلاغة ، به يتجلى تأييده تعالى لرسوله أكمل التجلي ، فهو يذكرهم بوقت خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم مهاجرا مع صاحبه بما كان من قريش من شدة الضغط والاضطهاد ، وقد تقدم تفصيله في تفسير
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ )
من سورة الأنفال ، وسيعاد مختصرا في هذا السياق . ويتلوه تذكيرهم بايوائه مع صاحبه إلى الغار لا يملكان من أسباب الدفاع عن أنفسهما شيئا . ثم يخص بالذكر
هامش
( 1 ) راجع تفسير 8 : 9 ( إذ تستغيثون ربكم ) في ص 602 - 605 ج 9 تفسير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 428 | الشيخ محمد رشيد رضا