تعالى به كائن لا محالة لا يوجد ما يعارضه فيعلو عليه أو يساويه ، وكذلك إن أريد بها الخبر الإلهي بهذا النصر والوعد به الذي هو بيان لهذه السنة التي هي من متعلقات صفة الإرادة بناء على أنه مما أوحاه إليهم ومنه قوله تعالى
( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا )
الخ
( قَوْلُهُ الْحَقُّ
. .
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ )
والخبر والوعد من متعلقات صفة الكلام . فكلمة التكوين الإرادية وكلمة التكليف الخبرية متحدتان في هذا الموضوع .
واما على القول بان المراد بها كلمة التوحيد أو دينه تعالى المبني على أساس توحيده فالنظر فيها من وجهين ( أحدهما ) مضمون الكلمة في الواقع وهو وحدانيته تعالى وهذه حقيقة قطعية قامت عليها البراهين ، وكذا ان أريد بها هذا الدين عقائده وأحكامه وآدابه - إذ يقال إنه كلمة التكليف أو كلماته - فهذه من حيث كونها من متعلقات صفة الكلام الإلهية لها صفة العليا بيانا وبرهانا وحكمة ورحمة وفضلا ، ولا بد من تمامها صدقا في الاخبار وعدلا في الاحكام ، كما قال تعالى في سورة الأنعام
( 6 : 116 وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
و ( الوجه الثاني ) إقامة المكلفين لها بمعنييها وهي تختلف باختلاف أحوالهم في العلم والايمان والاخلاق وما يترتب عليها من الاعمال فمن هذا الوجه قد تخفى علويتها على الناس في بعض الأحيان . إذ ينظرون إليها في صفات المدعين لها وأعمالهم لا في ذاتها ، وقد يكون هؤلاء غير قائمين بها ولا مقيمين لها . ومن عجائب ما روي لنا من ادراك بعض الإفرنج لعلوية كتاب اللّه تعالى بسعة علمه وعقله ان عاهل الألمان الأخير قال لشيخ الاسلام في الحكومة العثمانية لما زار الآستانة في أثناء الحرب الكبرى :
يجب عليكم - وأنتم دولة الخلافة الاسلامية - أن تفسروا هذا القرآن تفسيرا تظهر به علويته ! ! ! كما أدرك هذه العلوية الوليد بن المغيرة من كبراء مشركي قريش بذكائه ودقة فهمه وبلاغته إذ كان مما قاله فيه : وانه ليعلو ولا يعلى ، وانه ليحطم ما تحته . وراجع ما قلناه في تفسير
( 33 لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ )
من هذه السورة وما هو ببعيد .
وأما كلمة الذين كفروا فقد كانت لا مقابل ولا معارض لها قبل الاسلام من حيث القيام بها لتوصف بالوصف اللائق بها وهو السفلية سواء أريد بها كلمة الشرك أو كلمة الحكم فقد كان لأهلها السيادة في بلاد العرب حتى مكة المكرمة ودنسؤا بيت اللّه بأوثانهم فأذل اللّه أهلها وأزال سيادتهم بظهور الاسلام بعد كفاح معروف ، « تفسير القرآن الحكيم » « 55 » « الجزء العاشر »