وان أريد بها تقريرهم لقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فالامر ظاهر أيضا . وكل من الامرين حصل بجعل اللّه وتدبيره ثم بكسب المؤمنين وجهادهم . وأما كلمة الكفر في نفسها ، وبصرف النظر عن تلبس بعض الشعوب أو القبائل بها ، فلا حقيقة لها . أعني أن الشرك لا حقيقة لمضمونه في الوجود وانما هو دعاوى لفظية ، صادرة عن وساوس شيطانية خيالية ، كما قال تعالى
( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ )
وقد ضرب اللّه المثل للكلمتين وأثرهما في الوجود قوله في سورة إبراهيم عليه السّلام ( 14 : 27
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 28 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 29 ) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ . وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ )
وقد ختم اللّه هذه الآية بقوله
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
العزيز الممتنع الغالب واللّه هو الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها ، وقد نصر رسوله بعزته ، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته ، وأذل كل من ناوأه وناوأ المتقين من أمته .
واننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بيانا ، وتزيد الذين آمنوا باللّه ورسوله إيمانا ، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام اللّه تعالى خزيا وخذلانا ، ثلاث كلمات : كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار ، وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه ، وكلمة في دحض شبهات الروافض ، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب ، وتحريف كلمات اللّه واخبار الرسول عن مواضعها
( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ )
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة اللّه تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين ، المرسل رحمة للعالمين ، ومصلحا للناس أجمعين ، أن أعد لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر وقوة الإرادة ، وذكاء القريحة ، وارتقاء اللغة ، والسلامة مما منيت به أمم