تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
منه كلمة تدل على الخوف والفزع « لا تحزن » الحزن انفعال نفسي اضطراري يراد بالنهي عنه مجاهدته وعدم توطين النفس عليه ، والنهي عن الحزن وهو تألم النفس مما وقع ، يستلزم النهي عن الخوف مما يتوقع ، وقد عبر عن الماضي بصيغة الاستقبال « يقول » للدلالة على التكرار المستفاد من بعض الروايات ، ولاستحضار صورة ما كان في ذلك الزمان والمكان ليتمثل المخاطبون ما كان لها من عظمة الشأن ، وعلل هذا النهي بقوله ( ان اللّه معنا ) أي لا تحزن لان اللّه معنا بالنصر والمعونة ، والحفظ والعصمة ، والتأييد والرحمة ، ومن كان اللّه تعالى معه بعزته التي لا تغلب ، وقدرته لتي لا تقهر ، ورحمته التي قام ويقوم بها كل شيء ، فهو حقيق بأن لا يستسلم لحزن ولا خوف وهذا النوع من المعية الربانية أعلى من معيته سبحانه للمتقين والمحسنين في قوله
( 16 : 127 وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ 128 إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )
والفرق بينهما أن المعية في آية سورة النحل لجماعة المتقين المجتنبين لما يجب تركه والمحسنين لما يجب فعله ، فهي معللة بوصف مشتق هو مقتضى سنة اللّه في عالم الأسباب لكل من كان كذلك وان كان الخطاب في النهي عن الحزن قبلها للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأما المعية هنا فهي لذات الرسول وذات صاحبه غير مقيدة بوصف هو عمل لهما بل هي خاصة برسوله وصاحبه من حيث هو صاحبه ، مكفولة بالتأييد بالآيات ، وخوارق العادات ، وكبر العنايات ، إذ ليس المقام بمقام سنن اللّه في الأسباب والمسببات ، التي يوفق لها المتقين والمحسنين المتقنين للأعمال . يعلم هذا التفاوت بين النوعين من الحق الواقع إن لم يعلم من اللفظ وحده ، وهي من قبيل قوله تعالى لموسى وهارون إذ أرسلهما إلى فرعون فأظهر الخوف من بطشه بهما
( قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى * قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى )
وقد كان خاتم النبيين أكمل منهما إذ لم يخف من قومه الخارجين في طلبه للفتك به كما سنذكره ، وكان للصديق الأكبر أسوة حسنة بهما إذ خاف على خليله وصفيه الذي شرفه اللّه في ذلك اليوم الفذ بصحبته ، وانما نهاه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحزن لا عن الخوف ، ونهى اللّه موسى وهارون عن الخوف لا عن الحزن ، لان الحزن تألم النفس من امر واقع وقد كان نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم إياه عنه في الوقت الذي أدرك المشركون فيه الغار بالفعل . روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث انس قال
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 427 | الشيخ محمد رشيد رضا