( فصل في بيان سنته تعالى في تغيير أحوال الأمم )
هذا بيان لسنة عظيمة من أعظم سنن اللّه تعالى في نظام الاجتماع البشري يعلم منها بطلان تلك الشبهات التي كانت غالبة على عقول الناس من جميع الأمم ، ولا يزال جماهير الناس يخدعون بها وهي ما يتعلق بنوط سعادة لأمم وقوتها وغلبها وسلطانها بسعة الثروة ، وكثرة حصى الأمة ، كما قال الشاعر العربي :
ولست بالأكثر منهم حصى * وانما العزة للكاثر
وكان من غرورهم بها أن كانوا يظنون أن من أوتيها لا تسلب منه ، وأنه كما فضله اللّه على غيره بابتدائها ، كذلك يفضله بدوامها ( وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) وقد بينا غرور البشر بهذه الظواهر في مواضع من هذا التفسير .
ثم ظهر أقوام آخرون يرون ان اللّه تعالى يحابي بعض الأمم والشعوب على بعض بنسبها ، وفضل بعض أجدادها على غيرهم بنبوة أو ما دونها ، فيؤتيهم الملك والسيادة والسعادة لأجل الأنبياء الذين ينسبون إلى مللهم ولا سيما إذا كانوا من آبائهم ، كما كان شأن بني إسرائيل في غرورهم وتفضيل أنفسهم على جميع الشعوب بنسبهم ، وكما فعل الذين اتبعوا سننهم من النصارى ثم المسلمين . بالغرور في الدين ، ودعوة اتباع النبيين ، وبكرامات الأولياء والصالحين ، وإن كانوا لهم من أشد المخالفين . فبين اللّه تعالى لكل قوم خطأهم بهذه الآية وبما سبق في معناها وهو أعم منها في سورة الرعد من قوله
( 13 : 12 إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
وأثبت لهم أن نعم اللّه تعالى على الأقوام والأمم منوطة ابتداء ودواما بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد وأعمال تقتضيها فما دامت هذه الشؤون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها ، ولم يكن الرب الكريم لينتزعها منهم انتزاعا بغير ظلم منهم ولا ذنب ، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والاخلاق ، وما يترتب عليها من محاسن الاعمال ، غير اللّه عندئذ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم ، فصار الغني فقيرا ، والعزيز ذليلا ، والقوي ضعيفا . هذا هو الأصل المطرد في الأقوام والأمم ، وهو