تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
السنة ، ومنها ما يشق الصيام فيه وما يسهل . وكذلك تكرار الحج ، وفيه حكمة أخرى في شأن الذين يسافرون له في جميع أقطار الأرض التي تختلف فصولها وأيام الحر والبرد فيها . وإطلاق « الكتاب » بهذا المعنى معروف ومنه قوله تعالى بعد سرد محرمات النكاح ( كتاب اللّه عليكم ) ولكن ذكر خلق السماوات والأرض أشد مناسبة للأول ، ويناسب الثاني قوله
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
واحدها حرام ( كسحب جمع سحاب ) وهو من الحرمة فان اللّه تعالى كتب وفرض احترام هذه الأشهر وتعظيمها وحرم القتال فيها على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ، ونقلت العرب ذلك عنهما بالتواتر القولي والعملي ، ولكنها أخلت بالعمل اتباعا لأهوائها كما يأتي بيانه في الكلام على النسيء في الآية التالية وهو الغاية لما في هذه الآية . وهذه الأشهر ثلاثة منها سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وواحد فرد وهو رجب . وحكمة تحريم القتال فيها وتعظيمها ستأتي
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
الإشارة في قوله ( ذلك ) لعدة الشهور وتقسيمها إلى حرم وغيرها وعدد الحرم منها ، وقيل لما تضمنه من تحريمها . والدين القيم هو الصحيح المستقيم الذي لا عوج فيه . والمعنى ان ذلك هو الحق الذي يدان اللّه تعالى به دون النسيء ، وفسر البغوي الدين القيم هنا بالحساب المستقيم . وقال الجمهور معناه ذلك الشرع الصحيح المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل في الحج وغيره مما يتعلق بالأشهر من الاحكام
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
الضمير في
« فِيهِنَّ »
للأربعة الحرم عند الجمهور ، وقيل لجميع الشهور ، وظلم النفس يشمل كل محظور ، ويدخل فيه هتك حرمة الشهر الحرام دخولا أوليا ، فان اللّه تعالى اختص بعض الأزمنة وبعض الأمكنة بأحكام من العبادات تستلزم ترك المحرمات فيها والمكروهات بالأولى ، لأجل تنشيط الأنفس على زيادة العناية بما يزكيها ويرفع شأنها ، فان من طبع البشر الملل والسآمة من الاستمرار على حالة واحدة تشق عليها ، فجعل اللّه العبادات الدائمة خفيفة لا مشقة في أدائها كالصلوات الخمس ، فان أدنى ما تصح به صلاة الفريضة لا بتجاوز
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 413 | الشيخ محمد رشيد رضا