تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
كنزك انا كنزك » فهذا نص صحيح من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أن ذلك التعذيب بجعل المال صفائح يكوى بها مانع الزكاة أو شجاعا ( وهو ذكر الحيات ) يطوقه إنما هو ضرب من التمثيل أو التخييل ، لا نفس ذلك المال الذي كان يكنزه في الدنيا ، وبه يبطل كل إيراد ويزول كل إشكال ، والتعذيب حقيقي على كل حال .
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ
التي كانوا يستقبلون بها الناس منبسطة أساريرها من الاغتباط بعظمة الثروة - ويستقبلون بها الفقراء منقبضة متغضنة من العبوس والتقطيب في وجوههم لينفروا ويحجموا عن السؤال
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ
التي كانوا يتقلبون بها على سرر النعمة اضطجاعا واستلقاء ، ويعرضون بها عن لقاء المساكين وطلاب الحاجات ازورارا وادبارا ، فلا يكون لهم في جهنم ارتفاق ولا استراحة فيما سوى الوقوف إلا بالانكباب على وجوههم ، كما قال ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) وكذلك قال هنا
هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
اي تقول لهم ملائكة العذاب الذين يتولون كيهم : هذا العذاب الأليم الواقع بكم هو جزاء ما كنتم تكنزون في الدنيا ، أو هذا الميسم الذي تكوون به هو المال الذي كنزتموه لأنفسكم لتنفرد بالتمتع به
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
أي ذوقوا وباله ونكاله ، أو وبال كنزكم له ، وامساككم إياه عن النفقة في سبيل اللّه . وحاصل المعنى ان ما كنتم تظنون من منفعة كنزه لأنفسكم خاصة بها لا يشارككم فيها أحد قد كان لكم خلفا ، وعليكم ضدا ، فإنه صار في الدنيا لغيركم ، وكان عذابه في الآخرة هو الخاص بكم ، كدأب جميع أهل الباطل ، فيما زين لهم من الرذائل ، يرى البخلاء أن البخل حزم ، كما يرى الجبناء ان الجبن حزم ، وتلك خديعة الطبع اللئيم ، واجتهاد الرأي الافين ، فالأولون من خوف الفقر في فقر ، والآخرون يعرضون أنفسهم للأذى أو الموت بهربهم من الموت ، فان جبنهم هو الذي يغري المعتدين بايذائهم ، ويمكن المقاتلين من الفتك بهم . وان أكبر أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر وتمكين أعدائهم من سلب ملكهم ، ومحاولة تحويلهم عن دينهم ، هو بخل أغنيائهم ، وجبن ملوكهم وأمرائهم ، وقوادهم وزعمائهم ، الذي جعلهم أعوانا لسالبي ملكهم على أنفسهم . وقد تقدم