دقيقة بين حساب الشهور القمرية عند العرب وحساب الشهور الشمسية عند أهل الكتاب وان لم يصرح فيه بمخالفتهم في حسابهم ، قال تعالى
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
المراد الشهور التي تتألف منها السنة القمرية وواحدها شهر وهو اسم للهلال أو القمر من مادة الشهرة ثم سميت به الأيام من أول ظهور الهلال إلى سراره ، ومبلغ عدتها اثنا عشر شهرا فيما كتبه اللّه وأثبته من نظام سير القمر وتقديره منازل منذ خلق السماوات والأرض على هذا الوضع المعروف لنا من ليل ونهار إلى الآن ، والمراد بيوم خلق السماوات والأرض الوقت الذي خلقهما فيه باعتبار تمامه ونهايته في جملته ، وهو ستة أيام من أيام التكوين باعتبار تفصيله وخلق كل منهما وما فيهما
فالكتاب يطلق على نظام الخلق والتقدير والسنن الآلهية فيه لأنه ثابت كالشئ المكتوب المحفوظ الذي لا ينسى ، أو لأنه تعالى كتب كل نظام في خلقه في كتاب عنده في عالم الغيب يسمى اللوح المحفوظ وقد فسر به الكتاب هنا . قال تعالى حكاية عن موسى في جوابه لفرعون على سؤاله عن القرون الخالية
( قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى )
وقال
( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ )
وقال
( كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ )
وقال
( وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ )
وهذا كله بمعنى النظام الإلهي القدري . وتقدم بحث كتابة المقادير في تفسير سورة الأنعام « 1 » وقيل إن المراد بكتاب اللّه هنا حكمه التشريعي لا نظامه التقديري ، ومنه حرمة الأشهر الحرم وكون الحج أشهرا معلومات ، ومن أحكام كتاب اللّه التشريعية ان كل ما يتعلق بحساب الشهور والسنين كالصيام والحج وعدة المطلقات والرضاع فالمعتبر فيه الأشهر القمرية . وحكمته العامة انها يمكن العلم بها بالرؤية البصرية للأميين والمتعلمين في البدو والحضر على سواء فلا تتوقف على وجود الرياسات الدينية ولا الدنيوية ولا تحكم الرؤساء . ومن حكمة شهر الصيام وأشهر الحج أنها تدور في جميع الفصول فتؤدى العبادة بهذا الدوران في كل أجزاء السنة فمن صام رمضان في ثلاثين سنة يكون قد صام للّه في كل أجزاء
هامش
( 1 ) راجع ص 394 و 469 - 478 ج 7 تفسير