ما فضل عن الحاجة وهو عزيمة الخواص الذين ليس لهم عيال ، لا المشروع لكل الناس ، فان نصوص الكتاب والسنة تنافي انفاق كل ما يملك المرء كما تقدم ، وتأمر بالقصد والاعتدال ، فمن الآيات قوله تعالى
( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
*
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً )
ومن الأحاديث الصحيحة المشهورة حديث نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم لسعد بن أبي وقاص ( رض ) عن التصدق بجميع ماله واجازته بالثلث مع قوله « والثلث كثير »
وقد أخرج أحمد والطبراني عن شداد بن أوس قال كان أبو ذر ( رض ) يسمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الامر فيه الشدة ثم يخرج إلى باديته ثم يرخص فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك فيحفظ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك الامر الرخصة فلا يسمعها أبو ذر ، فيأخذ أبو ذر بالامر الأول الذي سمع قبل ذلك اه والسبب الحقيقي لتشدده استعداده الفطري للأخذ بالعزائم واحتمال الشدائد ، واحتقار التنعم والسعة في الدنيا ، وعرف هذا التشدد عن أفراد من الصحابة ( رض ) ونهاهم عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد اختبره معاوية فأرسل اليه مالا كثيرا فلم يلبث ان تصدق به ، وأرسل اليه صهيب ابن سلمة وهو أمير بالشام ثلاثمائة دينار وقال استعن بها على حاجتك فردها وقال لرسوله ارجع بها اليه ، أما وجد أحدا أغر باللّه منا ؟ ما لنا إلا الظل نتوارى به ، وثلاثة من غنم تروح علينا ، ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها ، ثم اني لأنا أتخوف الفضل . قوله تصدق علينا أصله تتصدق فحذفت احدى التائين للتخفيف وقد أطلت في هذه المسألة لما فيها من العبرة في هذا المقام ، والفصل بين اعتدال الشريعة وغلو بعض الزهاد . والتذكير بأنه قد قل في المسلمين الزهاد والمقتصدون ، وكثر فيهم البخلاء والمسرفون ، الذين يفسدون في الأرض بما لهم ولا يصلحون
* * *
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ
الظرف هنا يتعلق بقوله تعالى قبله
« بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
وقد بينا من قبل ان الأصل في البشارة الخبر المؤثر يظهر تأثيره في بشرة الوجه بالسرور أو الكآبة ولكن غلب في الأول ولذلك يحمل في مثل هذا المقام على التهكم والمراد به الانذار ، اي أخبرهم بعذاب أليم يصيبهم في ذلك اليوم الذي يحمى فيه على تلك الأموال المكنوزة في نار جهنم اي دار العذاب بان توضع وتضرم عليها