والقديسات ، فتحبس عليها الأراضي والعقارات ، وتقدم لها النذور والهدايا تقربا إلى تلك الأسماء أو المسميات ، وهذا وما قبله مما اتبع المسلمون فيه سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، مصداقا للحديث النبوي الصحيح . والوقف على الدير أو الكنيسة عندهم كالوقف على المسجد عندنا قربة حقيقية ، فأخذ المال واعطاؤه في بناء المعابد حق في أصل كل دين سماوي ، وإنما البدع الوثنية في المعابد هي المتعلقة بعبادة من ينسب اليه المعبد ويوضع له فيه قبر أو صورة أو تمثال فيدعى فيه مع اللّه تارة ومن دونه تارة ، وينذر له وحده آونة ومع اللّه آونة ، فهذه بدع تتبرأ منها أديان الأنبياء الموحاة إليهم من اللّه عز وجل ، والنفقة فيها كلها من الباطل ، وآكلوها من رؤساء الدين وسدنة المعابد من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل .
( ومنها ) ما هو خاص بالنصارى بل ببعض فرقهم كالارثوذكس والكاثوليك وهو ما يأخذونه جعلا على مغفرة الذنوب أو ثمنا لها . ويتوسلون إليها بما يسمونه سر الاعتراف . وهو أن يأتي الرجل أو المرأة القسيس أو الراهب المأذون له من الرئيس الأكبر بسماع أسرار الاعتراف ومغفرة الذنوب فيخلو به أو بها ، فيقص عليه الخاطيء ما عمل من الفواحش والمنكرات بأنواعها لأجل أن يغفرها له ، لان من عقائد الكنيسة أن ما يغفره هؤلاء يغفره اللّه تعالى . وقد كان لبيع البابوات للغفران نظام متبع في القرون الوسطى للنصرانية ( أعني الوسطى في الزمن لا في الاعتدال ) وكان الثمن يتفاوت بقدر ثروة المشترين من الملوك والامراء والنبلاء وكبار الأغنياء فمن دونهم ، وكانوا يعطون بالمغفرة صكوكا يحملونها ليلقوا اللّه تعالى بها . وكان هذا الخطب الكبير من غلو الكاثوليك في استغلال سلطتهم الدينية أعظم أسباب الخروج عليهم والانقلاب الكبير الذي يسمونه الاصلاح ( البروتستانت ) إذ ترتب عليه فساد كبير في استباحة الفواحش وكبائر المعاصي .
والاعتراف في الأصل لم يوضع له ثمن ولكن سوء استعمال بعض رجال الدين له اغراهم بجعله وسيلة لسلب المال وفي القوانين السرية لبعض الرهبنات الكاثوليكية مواد صريحة في ذلك
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 397
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٩٧