تحري الحق في عبارات الكتاب العزيز ، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر أو يطلق اللفظ العام ثم يستثني منه . فمن الأول قوله تعالى في اليهود
( 5 : 65 وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 66 لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ )
ومن الثاني قوله تعالى قبل هاتين الآيتين فيهم
( 5 : 62 قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ )
ومن الثالث قوله في المحرفين للكلم الطاعنين في الاسلام منهم
( 4 : 46 وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
وقد نبهنا في تفسير هذه الآيات وأمثالها على هذا العدل الدقيق في أحكام القرآن على البشر ، وانما نكرره لعظيم شأنه ، وذكرنا منه هنا بعض ما نزل في أهل الكتاب ، من قبيل تفسير القرآن بالقرآن
والمعنى العام لأكل أموال الناس بالباطل هو أخذها بغير وجه شرعي من الوجوه التي يبذل الناس فيها هذه الأموال بحق يرضاه اللّه عز وجل وهو انوع
( منها ) ما يبذله كثير من الناس لمن يعتقدون انه عابد قانت للّه زاهد في الدنيا ليدعو لهم ويشفع لهم عند اللّه في قضاء حاجاتهم وشفاء مرضاهم لاعتقادهم أن اللّه يستجيب دعاءه ولا يرد شفاعته - والدعاء مشروع دون أخذ المال به أو عليه والرجاء باستجابته حسن واعتقاده بالجزم جهل . أو لظنهم ان اللّه تعالى أعطاه سلطانا وتصرفا في الكون فهو يقضي الحاجات من دفع الضر عمن شاء وجلب الخير لمن شاء متى شاء ، كما هو المعهود من الوثنيين في الأصل ، وممن طرأت عليهم العقائد الوثنية من أتباع الأنبياء عليهم السّلام ، وتأولها لهم الرؤساء الدينيون المضلون بأنها لا تنافي التوحيد الذي جاء به الرسل ، وقد بينا فساد هذه النزعات الشركية في مواضع كثيرة من هذا التفسير ومنه أن غير اتباع الرسل من المشركين يقولون بمثل هذه الأقوال
( ومنها ) ما يأخذه سدنة قبور الأنبياء والصالحين والمعابد التي بنيت بأسمائهم من الهدايا والنذور التي يحملها إلى تلك المواضع أمثال من ذكرنا ممن لا يعقلون معنى التوحيد المجرد ، والنصارى يبنون الكنائس والأديار بأسماء القديسين