الثابت المتحقق الذي لا ينسخه دين آخر ولا يبطله شيء آخر ( الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ )
وهو في مقابلة قوله في أهل الكتاب الذي ذكر في أول هذا السياق
( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ )
لأنهم أضاعوا حظا عظيما من كتب أنبيائهم ومواعظهم وحرفوا الباقي منها فلم يقيموه على وجهه ، بل استبدلوا به تقاليد وضعها لهم الرؤساء بأهوائهم ، كما تقدم شرحه في هذا السياق . فعلم بهذا ان المراد بالحق الامر الثابت المتحقق ، وان إضافة الدين البه من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع ، وفيه وجه آخر صحيح يجامعه ولا يباينه وهو أن معناه دين اللّه المحض الذي لا شائبة فيه كالشوائب التي عرضت للأديان السابقة ولما بقي من كتبها .
وكلمة الحق من أسماء اللّه تعالى كما قال
( فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ )
ومن المعلوم عند جميع علماء التاريخ العام ولا سيما تاريخ الأديان انه لا يوجد دين منقول عمن جاء به من رسل اللّه تعالى أو من غيرهم نقلا صحيحا متواترا بالقول والفعل متصل الأسانيد إلا دين الاسلام . وقد ذكرنا في الفصل الذي عقدناه لاثبات ضياع كثير من الإنجيل وتحريف النصارى لكتبهم المقدسة في آخر تفسير ( 5 : 15 ) من سورة المائدة ان فيلسوفا هنديا درس تواريخ الأديان كلها وبحث فيها بحث حكيم منصف لا يريد إلا استبانة الحق ، وأطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان ، ونظر بعد ذلك كله في الاسلام ، فكانت غاية ذلك الدرس أن عرف بالبرهان ان الاسلام هو الدين الحق ، فأسلم وألف كتابا باللغة الانكليزية عنوانه ( لماذا أسلمت ) أظهر فيه مزاياه على جميع الأديان وكان من أهمها عنده انه هو الدين الوحيد الذي له تاريخ ثابت محفوظ . . . وكان من مثار العجب عنده أن ترضى أوربة لنفسها دينا ترفع من تنسبه اليه عن مرتبة البشر فتجعله إلها وهي لا تعرف من تاريخه شيئا يعتد به . . . « 1 »
ثم بين غاية إرسال خاتم النبيين والمرسلين بدين الحق أو علته بقوله
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
يقال أظهر الشيء : أوضحه وأبانه فجعله ظاهرا لا خفاء فيه . وأظهر
هامش
( 1 ) راجع البحث في ص 302 ج 6 تفسير . وص 831 م 16 منار