لهداية عباده ، وانما قطبه الذي تدور عليه جميع عباداته توحيد الربوبية والألوهية ، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية ، واللّه تعالى لا يريد ذلك ، لا يريد في هذا الشأن إلا أن يتم هذا النور الذي بدا في الأجيال السابقة كالسراج على منارته ، أو كنور الهلال في بزوغه ، فالقمر في منازله - فيجعله بدرا كاملا ، بل شمسا ضاحية يعم نوره الأرض كلها ، وما يريده اللّه كائن لا مرد له
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
ذلك بعد اتمامه ، كما كانوا يكرهونه من قبل عند بدء ظهوره ، وجواب لو محذوف للعلم به مما قبله كما يقول النحاة . فهم يكيدون له ، ويفترون عليه ويطعنون فيه وفيمن جاء به . ويحاولون اخفاءه ، أو « خنق دعوته ، وحصد نبتته » كما قال شيخنا رحمه اللّه . فأما اليهود فكان من أمرهم في مقاومة دعوته ، ومساعدة المشركين عابدي الأصنام في قتال أهله ، ومن خذلان اللّه تعالى إياهم ، ونصر رسوله والمؤمنين عليهم ، ما بيناه في تفسير سورة الأنفال « 1 » فكانوا في أول الاسلام أشد الناس عداوة لأهله كمشركي العرب سواء ، ولما عجزوا عن اطفاء نوره بمساعدة المشركين على قتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قصدوا اطفاء نوره ببث البدع فيه وتفريق كلمة أهله بما فعل عبد اللّه بن سبأ من ابتداع التشيع لعلي كرم اللّه وجهه والغلو فيه وإلقاء الشقاق بين المسلمين في مسألة الخلافة وكان لشيعته من الدسائس في قتل عثمان ( رض ) ثم في الفتنة بين علي ومعاوية أقبح التأثير ، ولولا هم لما قتل أولئك الألوف الكثيرون من صناديد المسلمين ، فان السعي إلى الصلح والاتفاق نجح غير مرة فأفسدوه بدسائسهم ، ثم كان لليهود الذين أظهروا الاسلام والقيام بفرائضه نفاقا مكيدة أخرى لا تزال مفاسدها مبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ وهي الإسرائيليات التي بينا بعضها في مواضع من هذا التفسير ولا نزال نبين ما يعرض لنا فيه وفي المنار
وأما النصارى فقد كان الحبشة منهم أول من أظهر المودة لهم ، وأكرم ملكهم النجاشي من لجأ اليه من مهاجريهم ، ومنعهم من تعدي المشركين عليهم ، بل أسلم هو على أيديهم ، كما تقدم بيانه في تفسير
( 5 : 82 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
هامش
( 1 ) راجع ص 48 - 69 ج 10 تفسير