قالُوا إِنَّا نَصارى )
الآية « 1 » ثم انقلب الامر وانعكست القضية بعد انتشار الاسلام وراء جزيرة العرب ، فكان اليهود يتوددون للمسلمين لأنهم أنقذوهم من ظلم النصارى واستبذادهم ، وصار نصارى أوربة المستعمرون لممالك الشرقية هم الذين يقاتلون المسلمين ويعادونهم ، دون نصارى هذه البلاد ولا سيما سورية ومصر الأصليين ، فإنهم رأوا من عدل المسلمين وفضائلهم ما فضلوهم به على الروم الذين كانوا يظلمونهم ويحتقرونهم ، حتى آل الامر إلى ما بيناه في تفسير الآية السابقة من الحروب الصليبية وغلو نصارى أوربة في عداوة المسلمين وما بيناه قبلها في تفسير قتال أهل الكتاب من حال مسلمي هذا العصر مع دول أوربة المستولية على أكثر بلادهم ، المهددة لهم فيما بقي لهم من مهد دينهم ومشاعره وحرم اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم
وقد بين اللّه هذا المعنى في سورة الصف بمثل هذه الآية إلا أنه قال هنالك
( 61 : 8 يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )
وباقي الآية ونص الآية بعدها كآيتي براءة سواء . فأما قوله
( لِيُطْفِؤُا )
فمن علماء العربية من يقول إنه بمعنى « أن يطفئوا » لان اللام فيه مصدرية أو بمعنى المصدرية ، ومنهم من يقول إنها للتعليل والمعلل محذوف للعلم به من القرينة وهو التحقيق ، وبيانه انه قبل هذه الآية ذكر بشارة عيسى عليه السّلام بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتكذيب اليهود له في رسالته وبشارته ، وقال بعدها
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
فالمعنى على التعليل ان هؤلاء الضالين الظالمين لأنفسهم بانكار نبوة محمد ( ص ) الذي بشرهم به عيسى عليه السّلام ( سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم ) بعد بعثته ودعوته إياهم إلى الاسلام وظهور نوره بالحجج الساطعة الدالة على صدقه - يريدون افتراء الكذب بانكار تلك البشارات وتأويلها بما يصرفها عن وجهها لأجل أن يطفئوا نور اللّه تعالى بافترائهم الذي يخرج من أفواههم ظنا منهم ان الافتراء بانكارها وتأويلها وبالطعن في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يطفئ هذا النور ، ثم قال ( واللّه متم نوره ) أي والحال ان اللّه تعالى متم نوره بالفعل فلا يطفئه الافتراء ، بل هو كمن ينفخ في نور قوي ليطفئه فيزيده بذلك اشتعالا ، أو كمن يحاول إطفاء
هامش
( 1 ) راجع أول الجزء السابع من التفسير