نور الشمس فلا ينال منها منالا . فالفرق بين الآيتين ان آية سورة الصف تعليل لافترائهم بإرادتهم اطفاء النور به - وآية براءة لما جاءت بعد بيان شركهم بمضاهأتهم لأقوال الوثنيين من قبلهم جعل ذلك نفسه بمعنى إرادة إطفاء النور بلا واسطة
ثم إن بينهما فرقا آخر وهو التعبير في آية سورة الصف بقوله
( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )
وفي سورة براءة بقوله :
( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )
والأول يفيد أنه متمه بالفعل في الحال ، والثاني وعد بأن يتمه في الاستقبال ، فيجتمع منهما إثبات هذا الاتمام في الحال والاستقبال ، فهو النور التام الكامل الذي لا ينطفئ بالقيل والقال ، بل يبقى مشرفا إلى أن يأذن اللّه لهذا العالم بالزوال ، ولما كان هذا الوعد الذي يتعلق بالمستقبل المغيب عن علم الخلق من شانه أن يرتاب فيه الناس ، أكده اللّه تعالى بما لم يؤكد به الخبر الأول لان صدقه مشاهد لا يحتاج إلى التأكيد ، وناهيك بقوله
( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ )
أي انه لا يرضى ولا تتعلق ارادته بشيء في هذا الشأن إلا شيئا واحدا وهو أن يتم نوره فلا يجعل في قدرة أحد أن يطفئه
والآية تشعر بأن هؤلاء الكافرين الكارهين له سيحاولون في المستقبل إطفاء هذا النور كما حاولوا ذلك في عصر من أتمه وأكمله بوحيه اليه وبيانه له .
وهذا ما وقع من قبل وأشرنا اليه في هذا السياق وأفظعه الحروب الصليبية ومقدماتها .
وما هو واقع الآن ، فان دعاة النصرانية ( المبشرون ) من الإفرنج يغلون في الطعن على الاسلام والقرآن والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كل بلد لدولهم فيه حكم أو نفوذ أو امتياز ، كمصر والهند وغيرهما ، ولولا شدة غلوهم ووقاحتهم في الافتراء والبهتان لما أطلنا في هذا السياق بما أطلنا به من بيان حالهم في دينهم وكتبهم . وهذا ما يتوقع في الأزمنة الآتية ، وقد صدق اللّه وعده
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً )
* * *
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ
هذا بيان مستأنف للمراد من إتمام نور اللّه عز وجل . وهو ان اللّه الذي كفل إتمام هذا النور هو الذي أرسل رسوله الأكمل الذي أخذ العهد على النبيين من قبل ( ليؤمنن به ولينصرنه ) إن جاء في زمن أحد منهم ، أرسله بالهدى الأتم الأكمل الأعم الأشمل ، ودين الحق أي