لا تذكروا الكتب السوالف عنده * طلع الصباح فأطفىء القنديلا
نعم ان القوم قد أطفأوا جل ذلك النور فزجوا بأنفسهم في ظلمات لا يلوح لهم فيها إلا وميض ضئيل منه ، وهم يريدون اطفاء الآخر الأخير أيضا . والنور الحسي قد يطفأ بنفخ الفم كسرج الزيت القديمة واطفاؤه إزالته وإطفاء النار إزالة لهبها واتقاد جمرها معا فهو أبلغ من اخمادها لان الاخماد إزالة اللهب فقط . وإذا كان إطفاء السراج سهلا فاطفاء نور الشمس غير ممكن
وانما اخترت هنا ان المراد بالنور دين اللّه الذي بعث به رسله في كل قوم بما يناسب حالهم في زمنهم لأنه هو الذي يقبل التمام المراد بقوله تعالى
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
الذي أضافه إلى اسمه ببعثة محمد خاتم النبيين ، ( ص ) إلى الخلق أجمعين ، مبينا لهم كل ما يحتاجونه من أمر الدين ، من عقائد يؤيدها البرهان ، ويطمئن لها الوجدان ، وتبطل بها عبادة الانسان للانسان ، فضلا عن الأصنام والأوثان . وعبادات تتزكى بها النفس ، وتطهر من كل رجس ، وتجعل كفاية الأغنياء للفقراء حقوقا إلهية ، تكفلها العقائد الوجدانية ، ويبطل ثوابها المن والأذى ، وآداب تطبع في الأنفس ملكات الفضائل ، وتتوثق بها عرى المصالح ، وتشريع سياسي وقضائي يجمع بين العدل والرحمة ، ويجعل السلطان الحكمي للأمة ، ويقرر المساواة بين جميع الناس في الحق ، مع تعظيم شأن العلم والعقل ، واحترام حرية الإرادة والرأي والوجدان ، ومنع الاكراه على الأديان ، والتوحيد المصلح للاجتماع البشري في العقائد والتعبد والتشريع واللغة ، لإزالة التعادي بين الشعوب والقبائل ، فمن لم يقبلها كلها ، كان تشريع المساواة بالعدل كافيا لحفظ حقوقه فيها
أتم اللّه تعالى ذلك كله على لسان خاتم النبيين ، الذي أرسله رحمة للعالمين ، وجعل آيته الكبرى علمية عقلية وهي هذا القرآن ، وكفل حفظها إلى آخر الزمان ، ولم يكفل ذلك لكتاب آخر لان سائر الكتب كانت أديانا خاصة موقتة ، وأنزل عليه بعد أن أتم الدعوة ، وأقام الحجة ، وأوضح الحجة
( 5 : 3 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً )
وجملة المعنى في هذا التركيب أنهم يريدون أن يطفئوا نور اللّه الذي شرعه