والمبتدعين فيه ولا سيما الروم الذين اتخذوا النصرانية عصبية سياسية منذ عهد قسطنطين ، ومنه ما كان بغير قصد إلى إطفاء نوره ، بل كان بعضه بقصد خدمته ، ( كما فعل بعض مبتدعة المسلمين الذين اتبعوا سننهم من حيث لا يشعرون بوضع الأحاديث والعبادات المبتدعة ونشر الخرافات ) وهو ما بيناه مرارا في مواضع آخرها وأقربها ما قلناه آنفا في هذا السياق
قال السدي المراد بالنور هنا الاسلام ، وقال الضحاك هو محمد ( ص ) وقال الكلبي هو القرآن . وقال بعض المفسرين المراد بالنور الدلائل على التوحيد ونبوة محمد ( ص ) لأنها يهتدى بها إلى الحق في العقليات ، كما يهتدي بالنور في رؤية الحسيات ، ؟ وأقول إن المعنى الجامع بين النور الحسي والنور المعنوي هو انه الشيء الظاهر في نفسه المظهر لغيره ، ولك ان تقول ان النور المعنوي للبصيرة كالنور الحسي للبصر . وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى
( 5 : 16 يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 17 ) قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ )
ان في هذا النور الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفا « 1 » وبينا وجه كل منها واخترنا الثالث منها وهو القرآن لموافقته لقوله تعالى
( 4 : 172 يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً )
« 2 » وقوله تعالى في رسوله الأعظم
( 7 : 151 فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
وقوله
( 64 : 8 فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا )
وأما التوراة والإنجيل فقد قال اللّه تعالى في كل منهما إن فيه نورا وهدى ( 5 : 47 و 49 ) ولم يجعله عين النور كالقرآن . ونختار هنا القول الأول وهو دين الاسلام بالمعنى العام الشامل لكل ما جاء به رسل اللّه ، ولا سيما دين التوراة والإنجيل والقرآن . وقد كان كل منها نورا لأهله في الزمن الذي نزل به بقدر حاجتهم حتى إذا نزل القرآن كان هو النور الأعظم الكافي لهداية جميع البشر إلى آخر الزمان ، وللّه در البوصيري حيث قال في لاميته بعد ذكر تلك الكتب :
اللّه أكبر ان دين محمد * وكتابه أقوى وأقوم قيلا
هامش
( 1 ) راجع ص 304 ج 6 تفسير
( 2 ) راجع ص 98 - 102 ج 6 تفسير