( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) *
وهذه الآية من تحرير القرآن للحقائق في المسائل الكبيرة بعبارة وجيزة هي الحق المفيد فيها ، وقد نهى النبي ( ص ) عن الرهبانية في الاسلام لما سنبينه في تفسير سورة الحديد ان شاء اللّه تعالى أن يحيينا ويوفقنا لتفسيرها .
والمعنى اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا ، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين فيهم أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وأطاعوهم فيه ، والنصارى اتخذوا رهبانهم أي عبادهم الذين يخضع العوام لهم أربابا كذلك .
والأظهر أن يكون المراد من الأحبار والرهبان جملة رجال الدين في الفريقين أي من العلماء والعباد ، فذكر من كل فريق ما حذف مقابله من الآخر على طريقة الاحتباك - أي اتخذ اليهود أحبارهم وربانيهم والنصارى قسوسهم ورهبانهم أربابا غير اللّه وبدون إذنه باعطائهم حق التشريع الديني لهم وبغير ذلك مما هو حق الرب تعالى . والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين فاتخاذهم أربابا يستلزم اتخاذ من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة بالأولى ، فالرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدونا كان أو غير مدوّن ، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدوّن سواء قالوه بالتبع لمن فوقهم ، أو من تلقاء أنفسهم ، لثقتهم بدينهم . وكذلك اتخذوا المسيح بن مريم ربا وإلها . أشرك تعالى بين اليهود والنصارى في اتخاذ رجال الدين أربابا شارعين ، وذكر بعد ذلك ما انفرد به النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه ، واليهود لم يعبدوا عزيرا ولم يؤثر عمن قال منهم انه ابن اللّه انهم عنوا ما يعنيه النصارى من قولهم في المسيح انه هو اللّه الخالق المدبر لأمور العباد ، ومن النصارى من يعبدون أمه عبادة حقيقية ويصرحون بذلك ، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم : يتوسلون بهم ، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم ، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة في الغالب . والظاهر أن من كان قد تنصر من مشركي العرب لم يكونوا يعبدون هؤلاء الرؤساء والكبراء في الملة إلا قليلا . وأما اتخاذهم أربابا بالمعنى المأثور في تفسير الآية فقد كان عاما عند الفريقين فان اليهود لم يقتصروا في دينهم على أحكام التوراة بل لم يلتزموها بل أضافوا إليها من الشرائع اللسانية