تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
على دينهم ، وكانت كل تلك المفتريات التي تقشعر منها الجلود ، ويكاد يتصدع لتصورها الحجر الجلمود ، تتلقى بالقبول والاذعان من جماهير الشعوب الأوربية لصدورها عن رجال الكنيسة المعصومة عندهم ، ولا تزال سمومها تسري في أرواح الملايين من نابتتهم بما ينفثه فيها القسيسون المربون ، وما يكتبه وينشره المبشرون ، كما بينه اللورد هدلي الانكليزي بعد إسلامه في كتاب مستقل ترجم بالعربية ولا نزال نرى في كل سنة من مفترياتهم بمصر وغيرها ما نجزم بأن الذين يدونونه في الكتب يعلمون انه كذب وبهتان ، ونستدل بهذا على أنهم لا يدينون بالنصرانية نفسها ، لاستحالة إباحتها للكذب الذي هو شر الرذائل كلها . زحفت الشعوب الأوربية على سورية وفلسطين ومصر لإبادة المسلمين واقترفوا فيها باسم المسيح مثال الكمال والطهارة والفضيلة والزهد والرحمة من النقائص والأرجاس والرذائل والأطماع والقسوة ما لم يتدنس بمثله شعب من شعوب الوثنية ولا القبائل الهمجية في تاريخ البشر ، ثم عادوا من الشرق مخذولين مغلوبين مقهورين ، ولكنهم استفادوا من معرفة حال المسلمين من العلم والفضائل والعدل ما كان هو السبب لنهضة أوربة الأخيرة في العلوم والفنون والسياسة ، يعترف بذلك فلاسفة الاجتماع والتاريخ منهم ، وأما رجال السياسة ودعاة النصرانية فلا يزالون يفترون على المسلمين في دينهم ودنياهم ولا تزال سياسة أوربة مع المسلمين حربا صليبية إلى اليوم « 1 » أليس هذا الذي ذكرناه بالايجاز سببا كافيا لجهل السواد الأعظم من شعوب أوربة بحقيقة الاسلام ، وكتمان كثير من العارفين لما يعرفونه منه ، وتشويه رجال السياسة والدعاية الدينية له ، ومحاولة طمس نوره كلما لاح لهم شيء منه ؟ بلى وانهم ليجدون من سيرة المسلمين الجغرافيين والخرافيين في هذا العصر ما يجعلونه حجة على الطعن في الاسلام نفسه ، بدعوى ان سوء حالهم ما جاءتهم إلا من تعاليم دينهم ، والحق انها ما جاءتهم إلا من جهلهم له وتركهم لهدايته ، وإنهم ليجدون من الملاحدة الذين أفسدهم
هامش
( 1 ) انظر كتاب خيبة أوربة الأدبية لاحمد رضا بك التركي وقد ترجم بالعربية في تونس ونشر في جريدة النهضة التونسية وطبع على حدة تعلم منه حقيقة قولنا