تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
نقتصر منه على ما يختص بالعبرة من سياق موضوعنا في التفسير ، وهو أن علاقة الدين بالسياسة والاجتماع وقوة الشعب الأدبية ، ومحافظته على مقوماته ومشخصاته الملية ، تحول دون البحث عن حقيقة أقوم الأديان وأحقها بالتقديم والايثار للاهتداء به ، ويستعان على هذه الحيلولة بنظام التربية والتعليم الذي بلغ الغاية من النظام ، ولكن أطوار الاجتماع ستضطرهم إلى هذا البحث واختيار الأصلح بذاته ولا بد لنا مع هذا من التذكير بما بيناه قبل من أن الدين لا يكون دينا تتحقق به هداية من يؤمن به إلا إذا كان مصدره أعلى من جميع مصادر العلم الكسبي لتذعن له النفس وتخضع الإرادة ، وقد وضع بعض حكماء أوربه قواعد لدين علمي عقلي استحسنوها ولم يذعنوا لها ، لان الانسان لا يذعن إلا لما يعتقد انه أعلى منه وله السلطان والقهر عليه ، وكل ما يدركه بكسبه فهو يراه دونه ومقهور لإرادته ، لذلك لا يخضع البشر لكل ما يعتقدون انه صواب وحق في نفسه إلا إذا وافق أهواءهم كما هو معلوم بالقطع من سيرة أفرادهم وجماعاتهم على اختلاف أنواعها . والاختلاف من طبعها ، فالدين الذي لا بد منه لاصلاح البشر لا يكون إلا بوحي من عالم الغيب ، ولا يثبت هذا في عصرنا هذا إلا بالاسلام

( 7 ) مبلغ علم الإفرنج بالاسلام وحكمهم عليه

نرغت شمس الاسلام في عصر كانت فيه جميع شعوب الأرض متسكعة في دياجير الجهل والظلم والاسراف في الشهوات الحيوانية ، وكان آخر عهد لأوربة بالعلم والأدب والحضارة عهد الروم ( الرومان ) الذين فتحوا أعظم ممالك الشرق المصاقبة لاوربة ، وكانوا قوما وثنيين ثم سطع عليهم بريق من نور الإنجيل وانتشرت فيهم النصرانية ديانة الزهد والايثار والسّلام ، ولكن كان إفسادهم لها أقوى من اصلاحها لهم ، فأحلوا توحيدها وثنية ، وحولوا سلمها حربا ، وبدلوا زهدها إسرافا وطمعا ، وطهارتها فحشا ودنسا ، فلما جاء النبي الذي كانوا ينتظرونه وهو المصلح الأعظم ، الذي بشر به المسيح وسماه الفار قليط روح الحق ووعدهم بأنه سيعلمهم كل شيء لم يلبث الحفاة العراة البائسون من أتباعه أن دكوا لهم ما بنوه من المعاقل والحصون في الشرق ، وثلوا لهم عروش ما أستعمروا من الممالك ، وطردوهم من سورية ومصر وأفريقية ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 355 | الشيخ محمد رشيد رضا