فارزوا وانكمشوا إلى أوطانهم الأصلية في أوربة ، فصار العرب المسلمون من أتباع محمد ( ص ) يغزونهم وغيرهم في أوربة نفسها ، وتلاهم الترك المسلمون في ذلك ، فصبروا إلى أن أمكنهم جمع كلمة دول أوربة على قتال المسلمين في هذه الممالك الشرقية بالدعاية إلى انقاذ بيت المقدس مهد النصرانية منهم فكانت الحروب الصليبية المشهورة في التاريخ بفظائعها وفجورها ومفاسدها وفواحشها ومطامعها التي اقترفت باسم المسيحية الطاهرة البريئة منها ومن أهلها
كان من تمهيد رجال الكنيسة دعاة هذه الحرب وموقدي نارها أن ألفوا كتبا ورسائل كثيرة ، وزوّروا خطبا بليغة ، ونظموا أناشيد وأغاني مهيجة - كلها في الطعن على الاسلام وتشويه سيرة المسلمين لم يعرف في تاريخ البشر لها نظير في الكذب والبهتان وقلب الحقائق ، وتشويه المحاسن ، ومحاولة جعل النور ظلاما ، والحق باطلا ، والفضيلة رذيلة ، حتى أن المسلمين الذين اطلعوا على شيء من تلك المكتوبات بعد تلك الحروب بقرون أدهشهم العجب من تلك الأباطيل المخترعة التي لم تخطر لاحد منهم في بال ، ولم تلح لها صورة في خيال ، لمباينتها للقرآن المنزل والسنة المطهرة والسيرة النبوية ، والفتوحات العربية ، رحمة وعدلا ، وكرما وفضلا ، وشرفا ونبلا ، وكذا ما دونها من الحروب الاسلامية
ومن غرائب ذلك البهتان المشوه انهم جعلوا دين التوحيد المطلق المجرد من جميع أوهام الوثنية دين وثنية وعبادة أصنام - وانهم اختلقوا له « ثالوثا » وأصناما وزعموا ان محمدا نفسه ( ص ) ادعى الألوهية ، واخترعوا له من المطاعن الفظيعة ما تعجز غير تلك العقول المظلمة القذرة عن تخيله ، ويتنزه كل ذي وجدان بشري سليم عن افترائه ، ويستحي غير الشيطان الرجيم من النطق به أو كتابته ، ومن ليس له إلمام من المسلمين أو غيرهم بشيء من ذلك فلينظر في ( كتاب الاسلام . خواطر وسوانح ) للمستشرق الفرنسي ( الكونت هنري دي كاستري ) وترجمته العربية لأحمد فتحي باشا زغلول ، وحسبه الفصل الأول منه في هذا الموضوع فقد ذكر فيه أسماء بعض تلك الكتب التي لفقوها ، والأناشيد والأغاني التي نظموها فيما ذكر لتهييج المسيحيين على الزحف من أوربة إلى الشرق لإبادة المسلمين والقضاء
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 356
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٥٦