تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
العصر جعل استحضار الأرواح ومخاطبتها صناعة تعليمية تثبتها التجارب لكل من يطلب معرفتها ، ولكن بوساطة المستعدين لرؤيتها ، وقد كثر في منتحليها الدجالون الذين اتخذوها ذريعة للكسب ، فكان ما عرف من خداعهم ، أقوى صارف للعقلاء المستقلين عن تصديق غيرهم ، ومن الناس من يعتقد ان هذه الأرواح التي يستحضرونها من شياطين الجن لا من أرواح البشر ، وهو حجة على الماديين بوجود عالم حي عاقل غير عالم المادة وسننها ( نواميسها ) أيضا ورجال الدين يكذبونهم غالبا لان ما ينقلونه عن هذه الأرواح يخالف بعض تعاليم الدين وإن كان من جهة أخرى يؤيد ركنا من أركان العقيدة وهو بقاء النفس والحياة الأخروية بعد الحياة الدنيا . وقد بالغ بعض الباحثين من المسلمين بمصر في اثبات هذه المسألة حتى زعم زاعم منهم انه لا يمكن ثبوت الدين إلا بثبوتها . قلت له مرة إن صح قولك فالدين لم يثبت في الزمن الماضي ! ! ومن الناس من يطعن في هذه الروايات عن الأرواح بالاختلاف والتعارض بين ما ينقلونه عنها وانما يتجه هذا الطعن بأمرين ( أحدهما ) أن تكون جميع أرواح الموتى تعلم الحقائق كما هي عليه وتكون معصومة من الكذب والخطأ فيما تخبر به الوسطاء الذين تتجلى لهم ( ثانيهما ) ان يكون هؤلاء الوسطاء يدركون كل ما تلقيه إليهم الأرواح كما هو لا يفوتهم منه شيء ، ثم يؤدونه كما سمعوه لا يخطئون في شيء منه ، ولا يقوم دليل على اثبات هذا ولا ذاك ، بلى قرأنا مما نقلوه عن الأرواح انها على درجات متفاوتة في عالمها ، وان الدنيا منها لا تدرك ما تدركه العليا ، وانها لا تعلم كل شيء مما تسئل عنه ، وانها لا تستطيع أن تبلغ كل ما تعلم منه ، وان منها ما لا يؤذن لها بتبليغه ، وجملة القول إن هذه المسئلة تفتقر إلى تمحيص وتحقيق ليس هذا الاستطراد في التفسير بمحل له وأما الوحي فمن المؤمنين باللّه من هؤلاء الإفرنج وأمثالهم من يؤمن ومنهم من لا يؤمن بصحته ، ومنهم الذين لا يؤمنون بأن للبشر أرواحا مستقلة من غير عالم المادة ، ومنهم من يعتقد أن الوحي حالة من حالات النفس تستحوذ عليها فتفيض عليها بعض