تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وقد حدثنا العلامة الفقيه الصوفي الأديب الشيخ عبد الغني الرافعي أنه كان غلب عليه حال التوكل وحدثته نفسه بأنه صار مقاما له فامتحنها بسفر خرج فيه من بلده وليس في يده مال فسخر اللّه له من الأسباب الشريفة ما كان به سفره لائفا بكرامته وحسن مظهره ، وأول ذلك أنه سخر له من لم يكن يعرف من أغنياء المسافرين بالباخرة فتبرع له بأجرة السفر فيها إلى حيث أراد . ومثل هذا التسخير يقع كثيرا لرجال العلم والأدب في أقوامهم واقطارهم ، وناهيك ما كان يمتاز به الشيخ رحمه اللّه من جمال الصورة ومهابة الطلعة وحسن الزي والوقار يزينه اللطف والتواضع ولكن هل يقدم من كان مثله في كرامته وإبائه على الخروج من بلده وركوب البحر وهو لا يحمل درهما ولا دينارا لولا شدة الثقة باللّه واطمئنان القلب بالتوكل عليه ؟ كلا إنما يقدم على مثل هذا ممن لا يعقل معنى التوكل أناس من الشطار اتخذوا الاحتيال على استجداء الأغنياء والامراء بمظاهرهم الخادعة وتلبيساتهم الباطلة ، صناعة يروجونها بالغلو في إطرائهم ومثل عناية اللّه تعالى بالمتوكلين عليه في تسخير الأسباب الشريفة لهم ما وقع لشيخنا الأستاذ الامام أيام كان منفيا في بيروت : قال لي جاءني فلان من أصدقائي المصريين المنفيين يوما وقال إنه توفى والده وانه لا بد له من العناية اللائقة به في تجهيزه وليس في يده ما يكفي لذلك . قال الشيخ وكنت قبضت راتبي الشهري من المدرسة السلطانية لم أعط منه شيئا للتجار الذين نأخذ منهم مؤنة الدار فنقدته إياه كله لعلمي بحاجته اليه كله ، ووكلت أمري وأمر أسرتي إلى اللّه تعالى فلم يمر ذلك النهار إلا وقد جاءتني حوالة برقية بمبلغ أكبر من رائب المدرسة كان دينا لي قديما على رجل أعياني أمر تقاضيه منه وأنا فيها ممتعا بما تعلم من النفوذ ، وكتبت اليه بعد سفري مرارا أتقاضاه منه مستشفعا بعذر الحاجة حتى يئست منه ، فهل كان ارساله إياه في ذلك اليوم بتحويل برقي إلا تسخيرا منه تعالى بعنايته الخاصة ؟ ( أقول ) إنني أراني غير خارج بهذه الأمثال عن منهج هذا التفسير المراد به التفقه والاعتبار ، وأنا أرى الناس يزداد إعراضهم عن الدين والاهتداء بالقرآن ، ونقل فيهم القدوة الصالحة ،