الشدائد ؟ لم ير المنافقون ومن هم على مقربة منهم من مرضى القلوب علة يعللون بها هذا الاقدام من المؤمنين الصادقين إلا الغرور بالدين ، ولعمر الانصاف إن هذا لأقرب تعليل معقول لأمثالهم المحرومين من كمل الايمان باللّه والثقة به والتوكل عليه
ومن المعلوم مما ورد في « أهل بدر » من آيات هذه السورة ومن الأحاديث الصحيحة والحسنة أنه لم يكن فيهم أحد من أولئك المنافقين ولا من الذين في قلوبهم مرض فان ضعفاءهم قد محصهم اللّه بما كان من جدالهم للنبي ( ص ) ومصارحتهم له في كراهة القتال قبل وقوعه وباقتناعهم بجوابه لهم كما تقدم - ثم أتم تمحيصهم بخوضهم المعركة ، فهم من الذين وصفهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بأنه غرهم دينهم ، وهل يعقل أن يقول أحد منهم في المؤمنين « غرهم دينهم » وهو تبرؤ من عد أنفسهم من أهل هذا الدين ؟ فان صح ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال « هم يومئذ في المسلمين » يكون أراد به أنهم كانوا معدودين في جملتهم لا أنهم كانوا في الغزاة ، وإلا كان خطأ ، مردودا وابن عباس لم يكن في سنه يوم بدر يميز هذه المسائل بنفسه ، والرواية عنه فيها كما علمت آنفا
وروي عن مجاهد وابن جريج والشعبي وابن إسحاق ومعمر أن هؤلاء المنافقين كانوا بمكة . قال مجاهد : فئة من قريش قيس بن الوليد بن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب وعلي بن أمية والعاص بن منيه بن الحجاج خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا قلة أصحاب رسول اللّه ( ص ) قالوا غر هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم . قال ابن كثير بعد نقله : وهكذا قال محمد بن إسحاق بن سيار سواء
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
أي يكل اليه أمره مؤمنا إيمان اذعان واطمئنان أنه هو حسبه وكافيه وناصره ومعينه ، وانه قادر لا يعجزه شيء ، عزيز لا يغلبه ولا يمتنع عليه شيء أراده
فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أي فهو تعالى بمقتضى عزته وحكمته عند ايمانهم به وتوكلهم عليه : يكفيهم ما أهمهم ، وينصرهم على أعدائهم ، وإن كثر عددهم وعظم استعدادهم ، لأنه عزيز غالب على أمره ، حكيم يضع كل أمر في موضعه ، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه ، ومنه نصر الحق على الباطل ،