بل كثيرا ما تدخل عنايته بالمتوكلين عليه في باب الآيات وخوارق العادات ( كما حصل في غزوة بدر وآيات اللّه لا نهاية لها ) وان أجمع المحققون على أن التوكل لا يقتضي ترك الأسباب من العبد ، ولا الخروج عن السنن العامة في أفعال الرب ، كما سبق تحقيقه مفصلا من قبل ( *
وكم للّه من لطف خفي « * » * يدق خفاه عن فهم الذكي
وقد اشتهر في عباد الملة أفراد في ترك الأسباب كلها توكلا على اللّه تعالى وثقة به ، واشتهر من تسخيره تعالى الأسباب لهم ، والعناية بهم ، ما يعسر على الذكي تأويله كله بالتخريج على المصادفات المعتادة : كإبراهيم بن أدهم الذي كان ملكا فخرج من ملكه وانقطع لعبادة ربه متوكلا عليه في رزقه وفي كل أموره ، وإبراهيم الخواص وشقيق البلخي من المتقدمين ، وقد أدركنا في عصرنا عالما أفغانيا منهم اسمه عبد الباقي خرج من بلاده بعد تحصيل العلوم العربية والشرعية إلى الهند للتوسع في الفلسفة وسائر المعقولات وجد واجتهد فيها حتى رأى في منامه مرة رجلا ذا هيئة حسنة مؤثرة سأله أتدري ما ذا تعمل يا عبد الباقي ؟ إنك كمن يأخذ خشبة يحرك بها الكنيف عامة نهاره . فلما استيقظ حملته هذه الرؤيا على التفكر في هذه الفلسفة اليونانية والفائدة منها ، وما لبث أن تركها وعزم على الانقطاع لعبادة اللّه وترك العالم كله لذلك ، فخرج من الهند إلى بلاد العرب فكان يحج في كل سنة ماشيا ويعود إلى بلاد الشام في الغالب فيقيم عندنا في القلمون أياما وفي طرابلس وحمص كذلك ثم يعود إلى الحجاز وهكذا دواليك ، ولم يكن يحمل دراهم ولا زادا وقد يحمل كتابا بيده يقرأه فإذا فرغ منه وهبه ، وتلقى عنه بعض الاذكيا در وسافي التوحيد والأصول . ومنه يعلم الفرق بينه وبين أولئك الدراويش الكسالى والسياحين الدجالين
قال صديقنا العالم الذكي النقادة السيد عبد الحميد الزهراوي لولا أننا رأينا هذا الرجل بأعيننا واختبرناه في هذه السنين الطوال بأنفسنا لكنا نظن أن ما يروى من أخبار كبار الصالحن المتوكلين من المتقدمين كإبراهيم بن أدهم والخواص والبلخي مبالغات واغراقات من مترجميهم « 1 »
هامش
( * ) راجع ص 109 و 207 - 214 ج 4 تفسير
( 1 ) للشيخ عبد الباقي ترجمة وجيزة في أو اخرج 2 م 9 من المنار ، وأذكر أن له ذكرا في موضع آخر منه لا يمكنني تعيينه الآن